م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا
العدوان جريمة مكتملة الملامح، والعدو مسؤول عنها ابتداءً وانتهاءً، بما خلّفه من جراح في الأرض والإنسان والمؤسسات، وبما أراده من إنهاك للمجتمع، وضرب للثقة، وإضعاف للقدرة على النهوض. هذه حقيقة لا تحتاج إلى تزويق ولا إلى شهادة إضافية. غير أن الخطر الذي يستحق الوقوف أمامه بجدية أن العدو، حين يعجز عن تحقيق أهدافه الكبرى من الخارج، يبدأ بالرهان على أخطاء الداخل. وحين تفشل أدوات العدوان في كسر الإرادة، قد تأتي الفوضى لتكمل المهمة بصمت، عبر قرار مرتبك، وإدارة متخبطة، ومؤسسة تفقد معيارها، ومسؤول يظن أن النوايا الحسنة تكفي لتعويض سوء التدبير.

العدو أراد أن يرهق الناس، فلا يجوز أن نمنحه إرهاقًا إضافيًا عبر إدارة لا ترى المواطن إلا عند الحاجة إلى صبره. أراد أن يضرب الثقة، فلا ينبغي أن يجد من يساعده بقرارات غامضة، وإجراءات متعثرة، وخدمات لا تصل إلا بعد أن تستهلك كرامة طالبها. أراد أن يزرع الإحباط، ومن المؤلم أن يجد الإحباط ماءه في المحاباة، وسوء الاختيار، وتهميش الكفاءات، وإغلاق أبواب الإنصاف. فالعدوان يحاصر من الخارج، والفوضى حين تُترك بلا ضبط تحاصر من الداخل، في الحق، والخدمة، والصوت، والفرصة، والكرامة.

الخطأ وارد في كل إدارة تعمل تحت الضغط، وفي كل بلد يواجه ظروفًا استثنائية. غير أن المصيبة تبدأ عندما يتحول الخطأ إلى عادة، والارتجال إلى منهج، والتبرير إلى حصانة، والولاء الضيق إلى بديل عن الكفاءة. عندها لا نكون أمام خلل إداري محدود، وإنما أمام ثغرة في جدار المواجهة، ثغرة لا يحتاج العدو إلى اقتحامها؛ يكفيه أن يراها تتسع بقراراتنا نحن، وبصمتنا نحن، وبقدرتنا العجيبة على تبرير ما لا ينبغي تبريره.

الناس تدرك قسوة الظروف، وتعرف معنى الشح، وتفهم أن الحرب لا تترك خلفها مؤسسات مثالية ولا موارد مفتوحة. لكنها تملك حسًا عادلًا يميز بين عجز فرضته الظروف وعجز صنعته الرداءة، بين مسؤول يعمل تحت الضغط ومسؤول يتخذ من الضغط ذريعة دائمة، بين إدارة تحاول بإخلاص وإدارة تكرر أخطاءها ثم تطلب من الناس أن يصفقوا لصبرها على نفسها. المواطن قد يصبر على قلة الإمكانات، لكنه يتألم حين يرى الموجود يُدار بعشوائية، والممكن يُهدر بالارتجال، والكفاءة تُقصى لأنها لا تجيد لغة المجاملة.

أخطر ما في سوء الإدارة أنه لا يأتي دائمًا بوجه قبيح. أحيانًا يدخل من باب العبارات المهذبة: الظروف صعبة، الإمكانات محدودة، الأولويات كثيرة، المرحلة حساسة، والملفات معقدة. هذه العبارات قد تكون صحيحة في مواضع كثيرة، لكنها تتحول إلى ستار هش حين تُستخدم لحماية الفشل من المساءلة. فالظروف الصعبة تحتاج إدارة أذكى، والإمكانات المحدودة تحتاج ترتيبًا أدق، والمرحلة الحساسة تحتاج رجال دولة، لا موظفين بارعين في شرح أسباب التعثر.

بعض القرارات لا تحتاج إلى ضربة عسكرية كي تترك أثرًا موجعًا؛ يكفيها قدر مناسب من الارتباك، وتقدير ناقص للعواقب، ومسؤول يخلط بين إدارة الناس وإدارة المزاج. وبعض المؤسسات لا يضعفها العدو مباشرة، وإنما تضعف حين تتحول الكفاءة فيها إلى ضيف ثقيل، والمحاسبة إلى مناسبة نادرة، والحق إلى ملف ينتظر توقيعًا لا يأتي. عند هذه النقطة تصبح الفوضى أكثر من خلل داخلي؛ تصبح خدمة مجانية لأهداف العدو، حتى لو صدرت باسم الاجتهاد وحُفّت بالشعارات.

العدو لا يريد من المجتمع أن يتألم فقط، بل يريد أن يفقد ثقته بأن الألم يمكن أن ينتهي. لا يريد أن تتعثر الخدمة فقط، بل يريد أن يشعر المواطن بأن التعثر قدره اليومي. لا يريد أن تضيق الموارد فقط، بل يريد أن تتحول الندرة إلى سوق للنفوذ، وأن يصبح الحق محتاجًا إلى وسيط، وأن تتحول المؤسسة من ملاذ للناس إلى ممر طويل من الانتظار والإحباط. وحين تفعل الإدارة السيئة ذلك، فإنها تمنح الخصم نتيجة كان يطلبها بكلفة باهظة، ثم يحصل عليها مجانًا من داخل البيت.

لذلك، فإن نقد الفوضى حماية للداخل، وصيانة للتضحيات، وقطع للطريق على العدو. من يريد تحصين الجبهة الداخلية عليه أن يحميها من العدو ومن أخطائها معًا. عليه أن يراجع الأداء، ويصحح القرار، ويضع الكفاءة في مكانها، ويجعل المحاسبة ثقافة لا حملة مؤقتة، ويعامل المواطن باعتباره جوهر القضية لا عبئًا على المكاتب. فالمواطن الذي صبر على العدوان يستحق إدارة لا تطلب منه صبرًا جديدًا على أخطائها.

المعركة مع العدو لا تُخاض في الميدان العسكري والسياسي والإعلامي وحده. تُخاض أيضًا في إدارة الماء والكهرباء والدواء والراتب والشكوى والوظيفة والمورد العام. تُخاض حين يجد المواطن خدمة عادلة، وقرارًا مفهومًا، ومسؤولًا يسمع، ومؤسسة تحترم وقته، ونظامًا يفرّق بين المخلص والمتلاعب، وبين الكفء والعاجز، وبين من يحمل المسؤولية ومن يتزيّن بها. هنا يخسر العدو رهانه الحقيقي، لأن المجتمع الذي تُدار شؤونه بعدل وكفاءة يصعب كسره، حتى في أقسى الظروف.

أما حين تسود الفوضى، فإنها تتحدث كثيرًا عن الصمود وتستهلكه قليلًا قليلًا. ترفع الشعار عاليًا، ثم تترك الخدمة واطئة. تتحدث عن التضحيات، ثم لا تحسن حمايتها من العبث. تحتفي بالثبات، ثم تترك الثقة تتآكل في التفاصيل الصغيرة: شكوى بلا جواب، مشروع بلا أثر، وعد بلا تنفيذ، منصب بلا كفاءة، ومواطن يخرج من المؤسسة وفي قلبه سؤال مؤلم: أهذه هي الجبهة التي صمدت لأجلها الناس؟

العدو يتمنى مجتمعًا متعبًا، ومؤسسات مترددة، وقرارات مرتبكة، وكفاءات محبطة، وناسًا يشعرون أن الطريق إلى حقوقهم أطول من الطريق إلى اليأس. وما دام يتمنى ذلك، فالواجب أن نسير في الاتجاه المعاكس تمامًا: عدل أكثر، كفاءة أكثر، وضوح أكثر، محاسبة أكثر، احترام أكبر للناس، وإنصات أعمق للوجع اليومي. الانتصار على العدو لا يكتمل بمجرد إفشال مخططه العسكري، وإنما يكتمل بحرمانه من الاستثمار في أخطائنا.

لا تمنحوا العدو هذا الترف. لا تسمحوا للفوضى أن تعمل لصالحه بلا كلفة. لا تتركوا الارتجال يظهر في هيئة اجتهاد، ولا المحاباة تتخفى باسم الثقة، ولا ضعف الكفاءة يختبئ خلف كثافة الخطاب. فالأوطان التي تواجه العدوان تحتاج إدارة تليق بصمودها، ومسؤولًا يحسب أثر قراره كما يحسب أثر كلمته، ومؤسسة تعرف أن كرامة المواطن جزء من الأمن العام، وأن العدالة ليست بندًا ثانويًا، وأن الإصلاح الداخلي شكل من أشكال المواجهة.

العدو سيبقى عدوًا، وعدوانه سيبقى مدانًا، ومسؤوليته ثابتة لا تسقط بالتقادم ولا بالمراجعات. ومع ذلك، فإن معرفة العدو لا تكفي ما لم نعرف ثغراتنا. وإدانة الخارج لا تكفي ما لم نغلق منافذ الضعف في الداخل. فالفوضى إذا دخلت من أبوابنا، وجلست في مكاتبنا، ووقّعت باسمنا، وأرهقت الناس تحت لافتاتنا، فإنها تمنح العدو ما كان يبحث عنه دون أن يطلق طلقة واحدة.

الخلاصة التي ينبغي أن تُقال بوضوح لا يجرح الحقيقة ولا يجامل الخطأ: ما عجز عنه العدوان قد تنجزه الفوضى. والعدو الذي فشل في أخذ الانتصار بالقوة لا يستحق أن نهديه إياه بسوء الإدارة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.