مآلات ميديا : متابعات:
في ليلة مثقلة بالتوتر فوق مياه الخليج ومحيطه، عادت الشرارة لتندلع مجدداً بين إيران والولايات المتحدة عند أضيق ممر بحري في العالم، حين أعلنت طهران أنّ الجيش الأميركي خرق وقف إطلاق النار واستهدف ناقلة نفط إيرانية كانت تبحر من السواحل الإيرانية قبالة جاسك باتجاه مضيق هرمز، قبل أن يمتد التوتر إلى استهداف سفينة إيرانية أخرى عند مدخل المضيق قبالة ميناء الفجيرة الإماراتي، في مشهد أعاد إلى الأذهان أشد لحظات الاشتباك حساسية في هذا الممر الحيوي للطاقة العالمية. وبالتوازي مع هذه الضربات البحرية، تحدثت مصادر إيرانية عن اعتداءات جوية أميركية، “بالتعاون مع بعض دول المنطقة”، طالت مناطق مدنية في سواحل بندر خمير وسيريك وجزيرة قشم، ما وسّع نطاق الحدث من مواجهة موضعية في البحر إلى رسالة ميدانية أوسع فوق البر والجزر الإستراتيجية.

لكن الليل لم ينته عند حدود الاستهداف الأول؛ فالمتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء والحرس الثوري أوضحا أن القوات المسلحة الإيرانية ردّت “فوراً” عبر مهاجمة القطع البحرية العسكرية الأميركية شرق مضيق هرمز وجنوب ميناء تشابهار في بحر عمان، مؤكدة أن الهجمات طالت ثلاث مدمرات أميركية بصواريخ باليستية وكروز مضادة للسفن، إضافة إلى مسيّرات شديدة الانفجار، في عملية تقول طهران إنها ألحقت “خسائر فادحة” بالأسطول الأميركي. وتكامل هذا السرد مع ما نقلته وكالة “تسنيم” عن مصدر عسكري إيراني بأن أصوات الانفجارات التي سُمعت قبيل منتصف الليل جاءت نتيجة تصدي القوة البحرية الإيرانية للقطع الأميركية، وأن تسلسل الأحداث بدأ بهجوم على ناقلة النفط أعقبه استهداف سفن عسكرية أميركية، في سردية إيرانية تريد تثبيت صورة “الدفاع الوقائي” في مواجهة ما تصفه بعدوان خارجي.

ومع اتساع رقعة الاشتباك، اتجهت الأنظار إلى جزيرة قشم ذات الأهمية الإستراتيجية قرب مضيق هرمز، حيث أفادت وكالة “فارس” ووسائل إعلام أخرى بتعرض أجزاء من رصيف “بهمن” في الجزيرة لاستهداف خلال تبادل لإطلاق النار بين القوات الإيرانية و“العدو”، مع الإشارة إلى أن القسم التجاري من الرصيف تضرر جراء قصف معاد، من دون تسجيل إصابات بشرية وفق التصريحات الإيرانية الأولية. غير أنّ مشهد المعلومات المتضاربة سرعان ما برز إلى السطح، فبينما تحدث التلفزيون الإيراني عن انفجار في رصيف “بهمن” خلال تبادل النار، ذكرت منصة “نورنيوز” القريبة من دوائر الأمن القومي أن المدينة تنعم بأمن كامل، وأن أصوات الانفجارات في سيريك عادت لتحذيرات وجهتها القوة البحرية لبعض السفن بسبب عبور غير مصرح به، ما يعكس محاولة رسمية لإدارة وقع الصدمة داخلياً واحتواء القلق الشعبي حول سلامة المرافق الحيوية.

هذا التناقض في السرد لم يقتصر على قشم وسيريك، بل امتد إلى المجال الجوي غرب طهران، حيث تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن تفعيل بطاريات الدفاع الجوي للتصدي لأهداف معادية، في مشهد يوازي ما شهدته مناطق غربية من البلاد في أوقات سابقة حين فُعّلت منظومات الدفاع رداً على تهديدات جوية متصاعدة، سواء من الولايات المتحدة أو إسرائيل. ومن خارج الحدود، دخلت القناة 12 العبرية على خط الرواية لتنفي أي علاقة لتل أبيب باستهداف قشم، فيما وصف مسؤول أميركي الضربات في بندر عباس وقشم بأنها “دفاعية ولا تشكل استئنافاً لعمليات قتالية كبيرة ضد إيران”، في محاولة واضحة لتقييد سقف التصعيد عند مستوى “الرسائل المحسوبة” لا الحرب المفتوحة.

في موازاة هذا الاشتباك العسكري، اشتعلت الجبهة السياسية والإعلامية، إذ نقلت وسائل إيرانية عن مساعد الرئيس الإيراني للعلاقات العامة، مهدي طباطبائي، قوله إن الجمهورية الإسلامية “أفضل جار وأشرف قوة إقليمية لا تُنازع”، محذّراً “الأطراف الأصغر” من إلقاء نفسها في صراع الكبار، وملوّحاً بأن تحوّل هذه الأطراف إلى مادة مساومة بيد العدو لن يخلف لها سوى الحسرة والندم. ويتقاطع هذا الخطاب مع تصريحات سابقة لطباطبائي أكد فيها أن إيران لن تهاجم جيرانها ما لم يتعاونوا مع الهجمات الأميركية أو الإسرائيلية ضدها، وأن مضيق هرمز بات تحت إدارة وسيطرة كاملة من الحرس الثوري، ما يكرّس معادلة “الأمن مقابل الحياد” كإطار ناظم لعلاقة طهران بدول الخليج المحيطة بالممر المائي الأهم في المنطقة.

وعلى الضفة العسكرية المقابلة، بدا الحرس الثوري حريصاً على تحويل الاشتباك إلى منصة لإعادة رسم صورة الردع الإيراني، فخطاب قادته لم يكتف بتأكيد جاهزية “الخطة المسبقة” للرد، بل ذهب إلى حد السخرية من “إخفاقات” الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتشديد على أن أي مغامرة “صهيونية – أميركية” جديدة ستصطدم بـ“جدار من النار” يتجاوز حسابات واشنطن التقليدية، بما يجعل أي هجوم محتمل “انتحاراً استراتيجياً” للبيت الأبيض، وفق التعبير الإيراني. ويتكامل هذا الخطاب مع الرسائل الميدانية حول ضرب المدمرات الأميركية، ليقدّم للجمهور الداخلي صورة دولة “تزداد صلابة” وقيادة “تزداد شباباً وعزيمة”، في إطار معركة سرديات لا تقل سخونة عن تبادل الصواريخ والمسيّرات فوق مياه هرمز وبحر عمان.

استراتيجياً، يمكن قراءة استهداف ناقلة نفط إيرانية في قلب ممر الطاقة العالمي، ثم انتقال النار إلى رصيف تجاري في قشم وتفعيل الدفاعات الجوية غرب العاصمة، كعملية متدرجة تهدف، من زاوية أميركية، إلى إرسال إشارات ردع متزامنة: الأولى مرتبطة بملف النفط وتدفقه، والثانية بقدرات إيران البحرية في المضيق، والثالثة بالبنية التحتية التي يشتبه في استخدامها لأغراض عسكرية أو لوجستية. في المقابل، تتعامل طهران مع هذه الضربات بوصفها فرصة لتثبيت “شرعية” حضورها العسكري في المضيق، عبر الإعلان عن السيطرة عليه وتغيير سلوك دول كانت، وفق روايتها، ترفض التواصل معها ثم باتت تتصل باستمرار، بما يوحي بأن معادلة القوة في الممر البحري قد مالت لصالحها وأن الطريق إلى أسواق الطاقة يمر عبر “مفاتيح” يحملها الحرس الثوري.

أما على مستوى الإقليم، فإن تلويح طهران برد “ساحق ومدمر” في حال ثبوت تورط الإمارات في الهجوم على قشم، يفتح الباب أمام احتمالات توسيع دائرة الاشتباك من ثنائية أميركية – إيرانية إلى ساحة متعددة الأطراف، مع ما يعنيه ذلك من تعريض الموانئ والمنشآت الحيوية في الخليج لمخاطر متبادلة. وفي هذا السياق، تبدو رسائل طباطبائي التحذيرية موجهة بقدر متساوٍ إلى العواصم الخليجية وإلى واشنطن؛ الأولى كي لا تتحول إلى “منصة لوجستية” لأي هجوم جديد، والثانية لتدرك أن كلفة استخدام حلفائها الإقليميين في الضغط على إيران قد تتجاوز حدود “الضربات الجراحية” إلى إعادة رسم خرائط أمن الطاقة كاملة.

ورغم أن مسؤولاً أميركياً حاول تطويق الموقف بوصف الضربات في بندر عباس وقشم بأنها دفاعية ومحدودة، فإن إصرار الحرس الثوري على إعلان استهداف ثلاث مدمرات أميركية في بحر عمان، والتأكيد على استمرار الهجمات البحرية، يكشف أن الطرفين يتقدمان فوق خيط رفيع بين الاشتباك المحسوب والانزلاق غير المقصود إلى مواجهة أوسع. ولعل تزامن هذا التصعيد مع تفعيل الدفاعات الجوية غرب طهران والاستنفار الأمني في أكثر من نقطة حساسة داخل إيران يشي بأن القيادة الإيرانية تتعامل مع الحدث كجزء من سيناريو أوسع قد يشمل ضربات إلكترونية، وهجمات سيبرانية، ومحاولات لاستهداف منظومات الصواريخ والبنى التحتية العسكرية في العمق، لا كحادثة منفصلة في قشم أو عند بوابة هرمز فقط.

في محصلة القراءة التحليلية، تبدو “ليلة هرمز” هذه حلقة جديدة في سلسلة المواجهات المتقطعة بين طهران وواشنطن، لكنها تحمل ما يميزها: التركيز على ناقلة نفط ورصيف تجاري في آن واحد، وإدخال أطراف إقليمية في دائرة الاتهام، وإرسال رسالة مزدوجة إلى الداخل الإيراني وإلى الخارج مفادها أن السيطرة على المضيق ليست شعاراً سياسياً بل أداة ضغط عملية قابلة للاستخدام. وإذا كانت واشنطن تسعى إلى ترسيم خطوط حمراء لأنشطة إيران البحرية والصاروخية من خلال ضربات “محدودة”، فإن طهران ترد بتوسيع نطاق الاشتباك البحري والجوي، وتلويح بردود لا يمكن للاستخبارات الغربية توقعها، ما يجعل كل جولة تصعيد جديدة اختباراً دقيقاً لمدى قدرة الطرفين على الوقوف على حافة الهاوية من دون السقوط فيها.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.