محمد خالد الحسيني – مآلات رياضية :

بين مدرجات المكلا، وأمواج بحر العرب، فرحٌ على الأرض وقلقٌ في الأفق .. مدرجات تشتعل، وبحر يختبر الأعصاب، فرحٌ يُدوّي على اليابسة، وتهديدٌ يزحف من البحر.
من هدفٍ في الملعب، إلى إشارةٍ من البحر، ماذا يحدث قُبالة سواحل اليمن؟
في مساءٍ كرويٍّ مشحون بالحماس على ملعب الفقيد بارادم بمدينة المكلا، كانت الجماهير تتابع بشغفٍ تفاصيل المواجهة بين نادي المكلا ونادي اليرموك.
تصاعدت الهتافات مع كل هجمة، واشتعلت المدرجات بفرحٍ يشبه موجًا لا يهدأ، فيما كانت الكرة تتحرك بسرعة تعكس نبض مدينة بأكملها توحّدت خلف لحظة رياضية واحدة.
لكن، وعلى بُعد أميالٍ قليلة، كان بحر العرب يرسم إيقاعًا مختلفًا تمامًا، لا جماهير هناك ولا أضواء، لا هتافات ولا أصداء، بل مشهد يتكرر بصمت مقلق .. زورق يقترب، إشارات غير مفهومة، وتحذيرات دولية تتصاعد.
في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، يتكرر السيناريو ذاته، وكأن البحر يروي قصةً موازية لما يجري على اليابسة، قصة لا تحتمل البهجة ذاتها، بل تُثقلها التساؤلات المريبة.
في غضون ساعات قليلة، يصبح هذا التكرار أكثر وضوحًا .. اقتراب محسوب، مسافات تُختصر تدريجيًا، وترقب حذر من سفنٍ تجارية تجد نفسها وسط مشهد ضبابي.
البيانات الصادرة عن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية لا تستخدم لغة درامية، لكنها تضع مؤشرات دقيقة .. نشاط مريب، اقتراب، تحذير.
ومع تكرار هذه المصطلحات في نطاق جغرافي واحد، لم يعد بالإمكان التعامل مع ما يحدث كحوادث منفصلة، بل كنمط يتشكل بثبات.
السؤال الذي يفرض نفسه .. لماذا الآن؟
التوقيت ليس عابرًا، المنطقة تعيش توترًا متصاعدًا يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، فيما يقف اليمن في قلب هذا المشهد، مشرفًا على واحد من أهم شرايين التجارة العالمية.
أي اضطراب هنا لا يبقى محليًا، بل يمتد أثره إلى ما هو أبعد بكثير، تكرار هذه التحركات يفتح الباب أمام عدة قراءات:
قد يكون استعراض قوة دون مواجهة مباشرة، أو اختبارًا لردود الفعل الدولية، أو حتى محاولة لفرض واقع رمادي جديد، يجس النبض ويختبر ردة الفعل .. حالة لا حرب فيها ولا سلام، بل توتر قابل للاشتعال.
لكن الأخطر من كل ذلك هو الاعتياد، حين يتكرر المشهد، يفقد عنصر الصدمة، وحين تتحول التحذيرات إلى أخبار يومية، نكون أمام انتقال تدريجي من مرحلة التنبيه إلى مرحلة الترسّخ.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية .. أن تصبح الممرات البحرية الحيوية مساحات مفتوحة لاختبار النفوذ، تُدار فيها الصراعات بطريقة غير مباشرة.
انعكاسات ذلك على الداخل اليمني ليست نظرية، أي تهديد للملاحة يعني ارتفاع المخاطر، وتراجع الثقة، وتضييق الخناق الاقتصادي على بلد يعاني أصلًا من أزمات متراكمة.
ومع كل حادثة، يتآكل الإحساس بالأمان، ليس فقط في البحر، بل في المشهد العام.
فهل نحن أمام حوادث متفرقة، أم ملامح مرحلة جديدة تتشكل؟
هل هي رسائل ضغط عابرة، أم مقدمات لتصعيد أكبر؟
احتفالٌ على الأرض، وإنذارُ اشتباك في البحر، فرحٌ قصير، وخطرٌ يتمدّد قبالة السواحل، هدفٌ في الملعب، وبدايةُ لعبةٍ أخطر في البحر.
وبين هدفٍ في الشباك، وزورقٍ في الظلام،
بين صخب المدرجات، وهدوء الأمواج، يبدو أن المشهدين، على اختلافهما، يلتقيان عند نقطة واحدة .. لحظة توتر تتصاعد، وأفق مفتوح على احتمالات لا تزال قيد التشكل، والإجابات ما تزال في عرض البحر.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.