مآلات ميديا – متابعات:
في تطور لافت يعكس تحوّلاً متدرجاً في المزاج السياسي داخل أوروبا، تصاعدت في بريطانيا دعوات غير مسبوقة تستهدف صلب العلاقة الاقتصادية مع الكيان الصهيوني، حيث وجّهت وسائل إعلام بريطانية وشخصيات دبلوماسية سابقة ضغوطاً مباشرة إلى رئيس الوزراء كير ستارمر للمضي نحو تعليق اتفاقية التجارة الثنائية، على خلفية قانون أقره الكنيست يفرض عقوبة الإعدام الإلزامي على الأسرى الفلسطينيين، في خطوة أثارت موجة انتقادات قانونية وحقوقية واسعة النطاق.
هذا القانون، الذي يُنظر إليه باعتباره موجهاً عملياً ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، لا يمثل مجرد تشريع جنائي داخلي، بل يُقرأ في السياق الدولي كاختبار صريح لمدى التزام الكيان الصهيوني بالمعايير القانونية العالمية، خاصة أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، وما يرتبط بها من التزامات بحماية السكان الواقعين تحت الاحتلال، إلى جانب مقتضيات العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وقد عززت هذا التقييم بيانات صادرة عن منظمات دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، التي اعتبرت القانون امتداداً لمنظومة تشريعية تمييزية، تتجاوز حدود الإجراءات الأمنية إلى إعادة إنتاج بنية قانونية غير متكافئة.
في الداخل البريطاني، لم تقتصر الضغوط على المنظمات الحقوقية، بل امتدت إلى مؤسسات الدولة نفسها، حيث شكّلت عريضة رسمية على موقع البرلمان، مدعومة برسالة مفتوحة من عشرات السفراء السابقين، مؤشراً على اتساع دائرة الاعتراض داخل النخبة السياسية والدبلوماسية. هذه الدينامية تكشف أن القضية لم تعد محصورة في نطاق التضامن الرمزي، بل انتقلت إلى مستوى المطالبة بإجراءات عملية، تتجاوز بيانات الإدانة نحو أدوات ضغط اقتصادية مباشرة.
استراتيجياً، يكتسب هذا التحرك دلالة خاصة في ظل التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية البريطانية منذ وصول كير ستارمر إلى السلطة، حيث سبق لحكومته أن اتخذت خطوات غير تقليدية شملت تعليق مفاوضات اتفاقية تجارة حرة جديدة مع الكيان الصهيوني، واستدعاء ممثليها الدبلوماسيين، وفرض عقوبات محددة على مستوطنين. هذه الإجراءات، وإن بدت في ظاهرها جزئية، إلا أنها تعكس انتقالاً تدريجياً من سياسة “الدعوة للتغيير” إلى سياسة “الضغط المشروط”، التي توظف العلاقات الاقتصادية كأداة لإعادة ضبط السلوك السياسي.
وتبرز أهمية اتفاقية التجارة في هذا السياق بوصفها أحد مفاتيح التأثير الحقيقية، إذ تمنح الكيان الصهيوني امتيازات تفضيلية في الوصول إلى السوق البريطانية، التي تمثل جزءاً مهماً من منظومة التبادل مع أوروبا. ومن هنا، فإن تعليق هذه الاتفاقية لا يُعد خطوة رمزية، بل يحمل تداعيات اقتصادية ملموسة، خاصة إذا تزامن مع تحركات أوروبية موازية، حيث بدأت دول كبرى في الاتحاد الأوروبي بإعادة تقييم علاقاتها، مدفوعة بضغوط داخلية متزايدة ومنسجمة مع مواقف منظمات المجتمع المدني.
هذا التلاقي بين الضغوط البريطانية والأوروبية يعكس ما يمكن وصفه بمرحلة “إعادة تسييس التجارة”، حيث لم تعد الاتفاقيات الاقتصادية منفصلة عن الاعتبارات الحقوقية، بل أصبحت مشروطة بها بشكل متزايد. وفي حال تطور هذا الاتجاه إلى قرارات تنفيذية، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام نمط جديد من العلاقات الدولية، تُستخدم فيه الأسواق كوسيلة لإعادة فرض معايير القانون الدولي.
أما على مستوى المآلات، فإن المشهد يتجه نحو سيناريوهين متوازيين؛ الأول يتمثل في استجابة بريطانية جزئية أو كاملة لهذه الضغوط، وهو ما قد يقود إلى توسيع دائرة الإجراءات لتشمل حظر التعامل مع منتجات المستوطنات أو مراجعة الاستثمارات، الأمر الذي سيزيد من كلفة العزلة الاقتصادية على الكيان الصهيوني ويضعه أمام خيارات صعبة بين الاستمرار في النهج الحالي أو إعادة النظر في سياساته. أما السيناريو الثاني، فيقوم على احتواء الضغوط ضمن إطار سياسي محدود، دون ترجمتها إلى إجراءات اقتصادية حاسمة، وهو ما قد يُبقي الوضع في حالة توتر مزمن دون تغيير جوهري.
في المقابل، يحمل هذا التصعيد انعكاسات داخلية على الحكومة البريطانية نفسها، إذ يمنحها فرصة لإعادة تموضعها أخلاقياً أمام الرأي العام، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام اختبار دقيق في موازنة العلاقات الاستراتيجية مع الالتزامات الحقوقية. كما أن أي خطوة تصعيدية قد تمتد آثارها إلى علاقات أوسع مع حلفاء تقليديين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، التي تراقب بحذر أي تحولات قد تعيد صياغة توازنات الدعم الدولي.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها حدثاً معزولاً، بل كجزء من تحوّل أوسع في بنية النظام الدولي، حيث تتقاطع الضغوط الشعبية مع الحسابات السياسية لإنتاج أدوات جديدة للتأثير. وبينما تتسع دائرة الانتقادات، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة هذا الضغط على إحداث تغيير فعلي، أم أنه سيظل محكوماً بسقف المصالح الاستراتيجية التي لطالما قيّدت حركة الفعل الدولي.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















