م. فؤاد ابوراس – مآلات ميديا :
في حياة المؤسسات، هناك لحظات تُقاس بما بما تُخفيه من اختلالات. لحظات يُعاد فيها ترتيب المشهد بهدوء، لكن آثارها تمتد عميقاً في البنية الداخلية، حتى تصل إلى جوهر الثقة التي يقوم عليها كل بناء. في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال من يتقدم إلى الواجهة، بل: من أُزيح عنها؟ ولماذا؟

في أعقاب المراحل الصعبة، يبرز أولئك الذين تحمّلوا عبء المواجهة، ووقفوا في الصفوف الأولى حين كانت الخيارات محدودة والتكلفة عالية. هؤلاء لا يمثلون مجرد رصيد بشري، بل يشكلون ذاكرة مؤسسية حية، وتجربة تراكمية، ونموذجاً عملياً للقيم التي تُرفع كشعارات في أوقات الاستقرار. غير أن المفارقة تبدأ حين يتحول هؤلاء من مركز الفعل إلى هامش المشهد، في الوقت الذي تتصدر فيه وجوه لم تختبر ذات الظروف، ولم تُصقل بالخبرة ذاتها.

هذه المفارقة بكل تأكيد هي مؤشر على خلل في فلسفة الإدارة ذاتها. فالمؤسسات التي لا تُحسن قراءة تاريخها القريب، تفقد قدرتها على بناء مستقبل متماسك. وعندما يُقصى أصحاب الكفاءة والتجربة دون مبرر موضوعي، فإن الخسارة لا تكون فردية، بل بنيوية، تمسّ صميم القدرة على الاستمرار والتكيف.

الأخطر من الإقصاء ذاته هو الرسالة الضمنية التي يبعثها. حين يرى الأفراد أن العطاء لا يضمن الاستمرار، وأن التضحية لا تُترجم إلى تقدير، تتآكل الدوافع الداخلية، ويحل محلها شعور خفي بعدم الجدوى. وهنا تبدأ المؤسسة بخسارة ما لا يُقاس بالأرقام: الولاء، والانتماء، والاستعداد للبذل في اللحظات الحرجة.

ويتضاعف هذا الأثر حين يتجاور خطاب التقدير مع واقع الإبعاد. كلمات الإشادة، مهما كانت صادقة، تفقد قيمتها عندما لا تجد انعكاساً عملياً في السياسات والقرارات. هذا التناقض لا يُنتج فقط حالة من الإحباط، بل يخلق فجوة إدراكية بين ما يُقال وما يُمارس، وهي فجوة كفيلة بإضعاف أي منظومة من الداخل.

من منظور إداري، ما يحدث هنا يرتبط مباشرة بمفهوم العدالة التنظيمية، التي تقوم على ثلاثة أبعاد: عدالة التوزيع، وعدالة الإجراءات، وعدالة التعامل. غياب أي من هذه الأبعاد ينعكس فوراً على مستوى الرضا الوظيفي، وعلى الثقة في القيادة، وعلى جودة الأداء. وعندما تُختل هذه المعادلة، تتحول المؤسسة إلى بيئة طاردة للكفاءات، حتى وإن لم تُعلن ذلك صراحة.

كما يرتبط الأمر أيضاً بإدارة المواهب، وهي ليست مجرد عملية اختيار للأفراد، بل منظومة متكاملة تهدف إلى استقطاب الكفاءات، وتطويرها، والحفاظ عليها. إقصاء أصحاب الخبرة دون بدائل مكافئة لا يعني فقط سوء تقدير، بل يعكس خللاً في فهم رأس المال البشري كأصل استراتيجي لا يجوز التفريط فيه.

ولا يمكن إغفال البعد الاستراتيجي لهذه الظاهرة. المؤسسات التي تستبدل الخبرة بالولاء الشكلي، أو التجربة بالاعتبارات الضيقة، تفتح الباب تدريجياً لضعف الأداء، وسوء التقدير، وربما لاختراقات ناتجة عن هشاشة البنية الداخلية. فالقوة الحقيقية لأي منظومة لا تُقاس بما تمتلكه من موارد، بل بقدرتها على إدارة هذه الموارد بكفاءة وعدالة.

إن الإقصاء غير المدروس لا يعالج الأخطاء، بل يعيد إنتاجها في صورة أكثر تعقيداً. فبدلاً من احتواء الخلل وتصحيحه، يتم توسيعه عبر استبعاد من يملكون القدرة على المعالجة. وهنا تتحول المشكلة من حالة يمكن التحكم فيها إلى مسار يصعب إيقافه.

القيادة الواعية لا تنظر إلى الأفراد باعتبارهم أدواراً قابلة للاستبدال، بل كعناصر فاعلة في منظومة متكاملة. وهي تدرك أن الحفاظ على التراكم المعرفي والخبرة العملية شرط أساسي للاستقرار، وأن أي قرار لا يراعي هذا البعد يحمل في طياته بذور خلل مستقبلي.

إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الخطابات، بل إلى مراجعة عميقة تعيد الاعتبار لمعايير الكفاءة والإنصاف. مراجعة تعترف بأن الخلل موجود، وتتعامل معه بشجاعة، لا بتجاهل أو تبرير. فالمؤسسات القادرة على تصحيح مسارها هي وحدها التي تملك فرصة الاستمرار بثبات.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تقبل الجدل:
العدل ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة إدارية واستراتيجية. وحين يُعاد الاعتبار لأصحاب الكفاءة والتجربة، تستعيد المؤسسة توازنها، ويعود الانسجام بين القول والفعل، وتُبنى الثقة من جديد على أساس صلب لا تهزه التحولات.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.