مآلات ميديا – جنوب لبنان:
بدأت الحكاية من قرار عسكري للكيان الصهيوني اعتُبر في تل أبيب خطوة نوعية لتغيير قواعد الاشتباك على الجبهة اللبنانية، حين سمح المستوى السياسي والأمني لنخبة من لواء غولاني ووحدة «إيغوز» بعبور مجرى نهر الليطاني شمالاً، في عملية كُشف عنها لاحقاً تحت بند «سمح بالنشر» عبر إذاعة جيش الكيان الصهيوني والقناة 14 وغيرها من وسائل الإعلام العبرية. لم تكن العملية مجرّد توغّل تكتيكي عابر، بل تحرّك مدروس إلى أطراف بلدة زوطر الشرقية، على عمق يُقدَّر بنحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، بهدف اختبار قدرة المقاومة على الاستجابة لاختراق من هذا النوع، وتهيئة ممرات برية فوق النهر تتيح مستقبلاً عبور قوات مدرّعة ومشاة إلى ما وراء الخطوط التي رسّخها القرار 1701 منذ ما يقارب العقدين.
على مدار نحو أسبوع كامل من العمليات، وفق الرواية التي تسرّبت من الإعلام العبري، عملت قوات الكيان الصهيوني في محيط زوطر الشرقية على تنفيذ ما وُصف بـ«أعمال هندسية» فوق نهر الليطاني، شملت تجهيز معابر وجسور ميدانية يمكن استخدامها لاحقاً كمنصات انطلاق لعمليات أوسع إذا ما انهارت المفاوضات مع لبنان أو تم اتخاذ قرار بالتصعيد. غير أن هذه «الهندسة» التي أرادها جيش الكيان الصهيوني مدخلاً لفرض وقائع جديدة شمال الليطاني، تحوّلت بالتدريج إلى مصيدة مركّبة، مع رصد المقاومة لحركة الوحدات المتوغّلة وملاحقة تغيير أنماط تموضعها على الضفاف والتلال المحيطة، تمهيداً لاصطيادها من مسافات قريبة حيث تتراجع أفضلية التفوق الجوي والتكنولوجي لصالح الاشتباك البشري المباشر.
تراكمت المؤشرات الأولى لفشل العملية مع تواتر الأنباء العبرية عن وقوع ثلاثة اشتباكات عنيفة على أطراف زوطر الشرقية شمال نهر الليطاني، قبل أن يتضح حجم الاستنزاف الذي تعرّضت له القوة المتوغّلة. فقد ذكرت القناة 14 وإذاعة جيش الكيان الصهيوني أن ثمانية جنود من لواء غولاني أصيبوا خلال تلك الاشتباكات من مسافات وُصفت بأنها «قريبة جداً»، ما يعني عملياً أن وحدات المقاومة نجحت في الاقتراب حتى نقطة الصفر تقريباً، وتحويل التضاريس الوعرة والضفاف المتعرّجة إلى ساحة مواجهة وجهاً لوجه مع «النخبة» التابعة للكيان الصهيوني. هذه الإصابات الثماني، التي أُعلن عنها رسمياً، لا تعكس بالضرورة كامل الخسائر البشرية، لكنها تكفي لتظهير حجم الإرباك الذي أصاب القيادة الميدانية وهي ترى قوة مدرّبة جيداً تقع في كمين على أرض كان يُفترض أنها تحت مراقبة جوية ولوجستية دائمة.
في الموازاة، حملت اعترافات الإعلام العبري تفاصيل إضافية تكمل مشهد «كمين زوطر»، إذ أقرّت تقارير متلفزة بأن العملية استمرت بين سبعة إلى عشرة أيام، في بيئة عدائية كثيفة نيران، شهدت اشتباكات من مسافة قريبة وإطلاق نار دقيق على الأفراد والمجموعات. هذه المعطيات تعني أن المقاومة لم تتعامل مع التوغّل بوصفه حادثة عابرة، بل كمعركة موضعية ذات نفس طويل، تم فيها ترك القوة المتوغّلة تستنزف تدريجياً، عبر كمائن متتابعة، ونيران قنص، وعمليات إرباك لخطوط الإمداد والانسحاب، إلى أن وجدت القيادة العسكرية للكيان الصهيوني نفسها مضطرة لإنهاء العملية وسحب الوحدات تحت غطاء الظلام، في مشهد أقرب إلى «فرار تكتيكي» منه إلى إعادة انتشار محسوبة.
من زاوية القراءة الاستراتيجية، تكشف ملحمة زوطر عن رهان واضح للكيان الصهيوني على إعادة اختبار الخط الأحمر الذي مثّله نهر الليطاني منذ عام 2006، ومحاولة دفع هذا الخط شمالاً عبر التوغّل وفرض «منطقة تماس» جديدة يتولى فيها جيش الكيان الصهيوني مراقبة شريط أوسع داخل الأراضي اللبنانية. لكن النتيجة العملية جاءت معاكسة تماماً؛ فبدلاً من ترسيخ قدرة على العمل شمال النهر، أُجبر لواء غولاني على التقهقر بعد إصابات مباشرة في صفوفه، ما يرسل إشارة صلبة للقيادة السياسية في تل أبيب بأن أي انتقال من نمط الغارات الجوية والقصف المدفعي إلى نمط التوغّل البري يحمل كلفة بشرية عالية في مواجهة خصم راكم خبرات ميدانية في القتال من مسافة قريبة. هنا لا يعود نهر الليطاني مجرّد حاجز جغرافي، بل يتحوّل إلى خط دفاع نفسي وسياسي وعسكري، كل محاولة لاجتيازه تتحول إلى اختبار لقدرة مجتمع الكيان الصهيوني على تحمّل صدمات نعوش جديدة تعود من «الجبهة الشمالية».
كما أن هذا الكمين يسلّط الضوء على التكيّف التكتيكي للمقاومة مع طبيعة القوة المتوغّلة، فاستهداف وحدات من طراز «إيغوز» وسرية الاستطلاع في غولاني من مسافة شبه ملتصقة يعني أن المقاربة حوّلت نقاط قوة هذه الوحدات – كالاستشعار المتقدّم، والدعم الناري الجوّي، والمرونة في المناورة – إلى نقاط ضعف في فضاء مغلق تضيق فيه المسافات وتتعقّد فيه الرؤية. إن تحويل ضفاف النهر ومسالكه إلى «مقتلة» للغزاة، كما عبّرت بعض وسائل الإعلام المقاومة، يرمز إلى أن الجغرافيا في الجنوب لم تعد مسرحاً ساكناً، بل لاعباً شريكاً في المعادلة، يستثمر كل منعطف ووادي وحافة صخرية في إرباك تشكيلات الهجوم وإجبارها على الاصطدام بالنار قبل أن تحظى بترف اختيار ميدان المواجهة.
في بعده الإقليمي، يأتي كمين زوطر في سياق مرحلة توتر متصاعد على الجبهة اللبنانية، حيث تتداخل رسائل المقاومة في جنوب لبنان مع ما يجري في غزة وسواها من ساحات الاشتباك مع الكيان الصهيوني، ضمن معادلة ردع تسعى إلى منع تل أبيب من فرض تهدئة انتقائية في ميدان مقابل تصعيد في آخر. ولأن العملية جرت في لحظة كان الحديث فيها يدور عن تفاهمات ومحاولات لتثبيت وقف إطلاق نار، فإن صدمة الاعتراف بإصابة ثمانية جنود من لواء يُفترض أنه ركيزة في أي حرب برية واسعة، تعيد خلط أوراق المستوى السياسي في الكيان الصهيوني، الذي يجد نفسه مضطراً لموازنة خطاب «الحسم» مع كوابح الواقع الميداني على الضفاف المتفجرة لليطاني.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة «كمين زوطر» على أنه رسالة ثلاثية الأبعاد: أولاً، لجيش الكيان الصهيوني بأن التوغّل شمال الليطاني ليس نزهة استطلاعية بل مجازفة قد تنتهي بخروج مذلّ لقوات النخبة تحت جنح الليل؛ ثانياً، للمستوطنين في الشمال بأن أي رهان على «منطقة آمنة» تُقام داخل لبنان لحمايتهم يصطدم بجدار نار حقيقي لا يمكن تجاوزه بدون أثمان فادحة؛ وثالثاً، للفاعلين الدوليين بأن الضغط السياسي على المقاومة لن يترجم ميدانياً إذا استمر الكيان الصهيوني في اختبار حدود الردع على الأرض. وفي كل الأحوال، تبقى زوطر الشرقية – بضفافها، وحقولها، ومياه الليطاني التي شهدت على تلك الأيام التسعة من الجحيم – شاهداً إضافياً على أن الجنوب ما زال يمتلك أنياباً حادّة، وأن المسافة الأقرب بين المحتل والهزيمة قد لا تتجاوز خطوة خاطئة على ضفة نهر قرر أن يكون جزءاً من معادلة النار، لا مجرد مجرى ماء.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















