مآلات ميديا – مآلات غزاوية:
في العتمة المتقطعة على مدخل السيلة الحارثية، كانت الطريق تبدو كما اعتادتها آليات الاحتلال: إسفلت صامت، خطوط باهتة، وقرية تحاول أن تنام على وقع اقتحام جديد. لكن تحت هذا الهدوء المصطنع، كانت الأرض نفسها قد دخلت المعركة، مزروعة بما يكفي من الغضب والمتفجرات لتحويل لحظة عبور إلى لحظة حساب.
حين اندفعت الآلية العسكرية في مسارها الروتيني نحو البلدة، لم يكن في حسبان طاقمها أن الطريق أمامهم قد أعيد رسمه بيد مقاومين يعرفون كل منعطف وكل حجارة. في جزء من الثانية، انشق الصمت عن انفجار أرضي هائل، قفزت معه الآلية في الهواء قبل أن تهوي مثقلة بالدخان والشرر، بينما كانت شظايا العبوة تشق جسد الحديد وتصل إلى من احتمى خلف دروعه. لم يكن ذلك مجرد تفجير؛ بل توقيع ميداني جديد يحمل اسم سرايا القدس – كتيبة جنين، سرية السيلة الحارثية.
بيان الكتيبة كان مقتضباً لكنه كافياً لرسم صورة ما حدث: عبوة ناسفة أرضية شديدة الانفجار، معدّة مسبقاً في مسار دورية أو جيب عسكري، تُفجَّر في اللحظة الحرجة لتصيب الآلية ومن فيها إصابة مباشرة ومؤكدة. خلف هذه الكلمات العسكرية الجافة، تقف ساعات طويلة من الرصد والتخطيط والتثبيت، من اختيار نقطة التفجير إلى توقيت الضغط على الزناد الذي يربط يد المقاوم بخط الأسلاك المعقودة في عتمة الليل.
لم تكن هذه “الصدفة” الأولى التي تتعرض لها آليات الاحتلال في السيلة الحارثية، فالبلدة التي تحولت إلى عنوان مكرر في بيانات سرايا القدس اعتادت أن تستقبل الاقتحامات بانفجارات مماثلة؛ عبوات موجهة من نوع “سجّيل” تضرب آلية على محور، و”طوفان” أرضية تعطب تعزيزات على محور آخر، وأخرى ذات شدة انفجار أعلى تُذكر في البيانات بأرقام وأسماء سرية. هكذا، لم تعد السيلة مجرد نقطة على خارطة جنين؛ بل تحولت إلى حقل ألغام سياسي وعسكري، يخبر الاحتلال أن الاقتحام إلى الداخل لم يعد رحلة ذهاب آمنة.
بالنسبة للمقاومين، لم يكن الهدف فقط إعطاب الآلية، بل كسر وهم “النخبة” التي تراهن عليها قيادة الاحتلال لاجتياح الضفة وإخماد بؤر المقاومة فيها. كل تفجير هنا هو رسالة مضادة لعقيدة الاقتحامات السريعة والحاسمة؛ توضح أن كل متر في جنين ومحيطها يمكن أن يخفي عبوة، وكل زقاق يمكن أن يتحول إلى قوس نيران يفاجئ قوات المشاة والمدرعات على حد سواء.
في واجهة الصورة، تظهر الآلية المتضررة والدخان المتصاعد والجنود المتراكضون في ارتباك اللحظات الأولى بعد الانفجار. لكن في خلفيتها، ثمة مشهد آخر لا تلتقطه عدسات الصحافة بسهولة: غرفة صغيرة أو سطح منزل أو بطن وادٍ ضيق، يقف فيه مقاومون يتابعون المشهد عن بعد، يلتقطون ما يمكن من صور، يتأكدون من إصابة الهدف، ثم ينسحبون وفق خطة رسمت خطوطها سلفاً، تاركين خلفهم صدى انفجار يتردد في نشرات الأخبار.
الاحتلال، من جهته، يرد كما اعتاد: اقتحامات أعمق، جرافات تهدم منازل، تفجير بيوت لمقاومين أو قادة، كما حدث مع منازل في السيلة الحارثية عقب عمليات نوعية سابقة، في محاولة لاقتلاع جذور هذه الخلايا التي تدير حرب الكمائن ضد آلياته. لكن الرد الأمني والعقابي، على شدته، لم يفلح حتى الآن في إسكات العبوات المدفونة، بل بدا في كثير من الأحيان وكأنه يضاعف دافع البلدة إلى تحويل كل اقتحام جديد إلى فرصة جديدة لعملية أخرى.
بهذا المعنى، لم تعد “كمائن الموت في السيلة” مجرد خبر عابر عن تفجير عبوة ناسفة في جيب عسكري، بل أصبحت عنوان مرحلة تتغير فيها قواعد الاشتباك في الضفة الغربية. فالمقاومة هناك تستبدل تدريجياً مشهد المواجهات الخاطفة بالحجارة والرصاص المنفرد، بمشهد عمليات هندسية معقدة تستهدف الآليات وتستنزف وحدات النخبة وتفرض على الاحتلال أن يعيد التفكير في كل خطوة يخطوها داخل البلدة.
وفي الخلفية الأبعد، يكتب هذا الكمين سطراً جديداً في معادلة الردع على أرض جنين: فكل عبوة تنفجر في قلب آلية، وكل آلية تعود مصابة أو لا تعود، تعني أن الطريق بين الحاجز العسكري ومدخل السيلة الحارثية لم يعد مجرد مسافة تُقطع بالدروع والسرعة، بل مسافة تُقاس بميزان الخطر، وبسؤال يلاحق كل جندي قبل الاقتحام: أيُّ جزء من هذه الأرض سيشتعل تحت عجلاتنا هذه المرّة؟
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















