مآلات ميديا – مآلات محليه
في الذكرى السابعة والخمسين لليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات، اختارت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في حكومة صنعاء أن تحوّل المناسبة من احتفاء تقني رمزي إلى منصة سياسية وإنسانية لإطلاق نداء استغاثة صريح إلى المجتمع الدولي، والاتحاد الدولي للاتصالات، والمنظمات الأممية والحقوقية والإنسانية. فبدلا من الاكتفاء بخطاب عام عن التحول الرقمي، ركز بيانها على واقع قطاع الاتصالات اليمني الذي يعيش، منذ أكثر من أحد عشر عاما، تحت وطأة حرب مفتوحة وحصار خانق، تستهدف بنيته التحتية كما تستهدف حياة الناس التي باتت معلقة بخيط اتصال رفيع مع العالم. من هذه الزاوية، تبدو الاتصالات هنا ليست مجرد خدمة، بل خط حياة يُراد إبقاؤه تحت السيطرة.
ينطلق بيان صنعاء من تأكيد مبدئي على ضرورة تحييد قطاع الاتصالات في اليمن، وحماية منشآته والعاملين فيه وضمان استمرارية خدماته، باعتباره قطاعا خدميا وإنسانيا لا يجوز إدخاله في حسابات العقاب الجماعي. ومن هذه القاعدة، يصف البيان كيف تعرضت البنية التحتية للاتصالات – خلال أكثر من عقد – لأضرار واسعة، شملت كابلات بحرية وأنظمة بيانات ومواقع ومحطات وشبكات، نتيجة آلاف الغارات الجوية التي طالت منشآت هذا القطاع وأخرجت نسبة كبيرة من مكوناته الحيوية عن العمل. بهذا السرد، ترسم الوزارة صورة قطاع لم يكن مجرد متفرج على الحرب، بل هدفا متكررا لها، ما انعكس على جودة الخدمات، وسرعة الإنترنت، وقدرة اليمنيين على الوصول إلى المعلومة والتواصل مع العالم ومع ذويهم في الداخل والخارج.
ولا يقف البيان عند حدود الماضي، بل ينتقل إلى الحاضر مفسرا كيف أن القيود المفروضة على دخول تجهيزات الاتصالات ذات الاستخدامات المدنية، وقطع الغيار اللازمة للصيانة والتطوير، تعرقل كل محاولة لتحديث الشبكات أو مواكبة التحولات التقنية العالمية. فالتجهيزات التي يعتبرها العالم جزءا عاديا من دورة التطور التكنولوجي، تتحول في الحالة اليمنية إلى مواد “محظورة” تُمنع من الدخول بحجة الاستخدام المزدوج أو اعتبارات أمنية، لتبقى الشبكات تعمل بأقصى ما تستطيع من طاقة في بيئة حصار خانق، فيما يدفع المواطن ثمن هذا الاختناق بطءً، وانقطاعات متكررة، وتدهورا في الخدمات الرقمية التي أصبحت في بقية العالم شرطا أساسيا للحياة اليومية والعمل والتعليم والصحة.
مع ذلك، يحرص بيان صنعاء على تقديم صورة لنظام لا يقف مكتوف الأيدي؛ إذ يؤكد أن الوزارة تواصل – رغم الظروف الاستثنائية والحرب والحصار – العمل على إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية للاتصالات وتقنية المعلومات، بما مكّن من استمرار تقديم الخدمات للمواطنين في مختلف المناطق، وتحسين جودة الإنترنت وخدمات الربط الشبكي والحوسبة السحابية، وتوسيع شبكات الجيل الرابع وتعزيز خطوات التحول الرقمي. بهذه اللغة، تحاول حكومة صنعاء أن تقول للعالم ولليمنيين معا: نحن نعمل ضمن إمكانات محدودة وظروف عدائية، ومع ذلك حافظنا على الحد الأدنى من الاتصال، وأن ما ينقص ليس إرادة التطوير ولا الكادر الفني، بل فك القيود وتمكين القطاع من أدوات التطوير.
على هذا الأساس، تأتي الدعوة الموجهة إلى المجتمع الدولي والهيئات المختصة لتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه ما تعرض له القطاع من أضرار. فالمطلوب – كما يحدد البيان – هو رفع القيود المفروضة على دخول التجهيزات الفنية وقطع الغيار، والسماح بإعادة تأهيل وتشغيل المواقع المتضررة، وضمان وصول خدمات الاتصالات والإنترنت إلى جميع المناطق دون استثناء. هنا يتحول الخطاب من توصيف الضرر إلى مطالبة صريحة: إذا كان العالم جادا في حديثه عن “الحق في الاتصال” و”أهمية الفضاء الرقمي في التنمية وحقوق الإنسان”، فعليه أن يتعامل مع الاتصالات اليمنية كحق إنساني لا كساحة ابتزاز في الصراع الإقليمي والدولي.
ذروة الرسالة تكمن في البعد البحري للموضوع؛ إذ يسلط البيان الضوء على الكابلات البحرية بوصفها شرايين الاتصال العميقة بين اليمن والعالم، ويدعو إلى حمايتها وتسهيل أعمال صيانتها وتطويرها، وعدم تحويلها إلى رهينة لقرارات عسكرية أو ضغوط سياسية. في هذا السياق يبرز ذكر مشروع تفريعة الكابل البحري “SMW5” ومحطة الإنزال في محافظة الحديدة، بوصفهما نموذجا لمشروع ربط دولي من شأنه أن يرفع كفاءة اتصال اليمن بالإنترنت العالمي، ويقلل من هشاشة الاعتماد على مسارات محدودة. مطالبة صنعاء هنا للمجتمع الدولي والاتحاد الدولي للاتصالات والمنظمات المعنية بالضغط على التحالف لإتاحة تنفيذ أعمال تركيب هذه التفريعة ومحطة الإنزال، تعني عمليا: افتحوا لليمن نافذة تقنية على العالم عبر البحر، ولا تجعلوا الكابل البحري ضحية إضافية للحرب.
من الناحية الاستراتيجية، تحاول حكومة صنعاء – عبر هذا البيان – إعادة تعريف قطاع الاتصالات من مجرد ملف خدماتي إلى ملف سيادي وإنساني في آن واحد، يختبر صدقية المجتمع الدولي في الحديث عن الحد الأدنى من حقوق الإنسان في زمن الحرب. فحين تشدد الوزارة على أهمية اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان إعادة تشغيل البنية التحتية وتقليص الفجوة الرقمية، فإنها تربط بين الاتصال الآمن والموثوق وبين تقليل الآثار الإنسانية للحرب: القدرة على الوصول إلى الإسعاف والخدمات الطبية، متابعة تحويلات المغتربين، استمرار التعليم عن بعد، توثيق الانتهاكات، وربط اليمنيين بعالمهم الأوسع. هنا يصبح قطع الكابل أو منع المعدّات ليس مجرد إجراء تقني، بل مساهمة مباشرة في تعميق المعاناة الإنسانية.
ويختتم البيان برسالة سياسية وأخلاقية واضحة: على المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والدولية المعنية أن تضطلع بدورها في دعم قطاع الاتصالات اليمني، باعتباره قطاعا خدميا وإنسانيا يرتبط بشكل مباشر بحياة الناس اليومية وأمانهم وحقوقهم الأساسية. بهذا الختام، تعيد صنعاء الكرة إلى ملعب العالم، مؤكدة أن الصمت على محاصرة الاتصالات، ومنع مشاريع الربط البحري، وترك البنية التحتية تتآكل تحت النار والحصار، هو موقف لا يقل خطورة عن المشاركة المباشرة في الحرب. وبين كابل بحري اسمه “SMW5” ينتظر السماح بالوصول إلى شاطئ الحديدة، وملايين اليمنيين ينتظرون اتصالا أسرع وأأمن بالعالم، يتحدد اليوم – ولو في جزء منه – معنى العدالة الرقمية في واحدة من أقسى النزاعات المعاصرة.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















