مآلات ميديا – مآلات سياسية :
في سابقة وصفت بأنها الأوضح منذ توقيع اتفاقات أبراهام، كشف السفير الأميركي لدى الكيان الصهيوني مايك هاكابي أن الكيان أرسل بطاريات من منظومة “القبة الحديدية” الدفاعية، مصحوبة بجنود وخبراء تشغيل، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة خلال الحرب الأخيرة مع إيران، في أول اعتراف رسمي وعلى الملأ بهذا المستوى من التعاون العسكري المباشر خارج الحدود الفلسطينية المحتلة. جاء التصريح من تل أبيب في مؤتمر عام، حيث قدّم هاكابي ما حدث بوصفه ثمرة طبيعية لـ”العلاقة الاستثنائية” التي نسجتها اتفاقات أبراهام بين أبوظبي والكيان، مؤكداً أن قرار إرسال المنظومات اتُخذ بعد طلب إماراتي مباشر وحوار رفيع المستوى بين رئيس وزراء الكيان ورئيس دولة الإمارات. وهكذا لم يعد الحديث عن تنسيق أمني أو تبادل معلومات، بل عن انتقال فعلي لسلاح صهيوني متطور مع طواقم تشغيله إلى أرض خليجية، بما يحوّل الجغرافيا السياسية للمنطقة إلى لوحة جديدة تتجاوز حدود التطبيع التقليدي.

لم يكن توقيت هذا الكشف معزولاً عن سياق إقليمي متوتر؛ فقد جاءت الخطوة في ذروة حرب صاروخية ومسيّرات قادتها إيران ضد أهداف في الخليج، كانت فيها الإمارات، بحسب مصادر أميركية وصهيونية، من بين الأهداف الأكثر تعرضاً للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. في تلك اللحظة، مثّل “الملاذ الدفاعي” الذي وفرته المنظومات الأميركية والغربية في المنطقة مظلة مشتركة لمجموعة من الدول، لكن دخول القبة الحديدية الصهيونية إلى هذا المشهد منح الكيان دور “الحارس المتقدم” عن بعد لمصالحه ومصالح حلفائه في العمق الخليجي. ومن خلال هذا التموضع، لم تعد الإمارات مجرد شريك سياسي أو اقتصادي في إطار التطبيع، بل تحوّلت إلى عقدة ميدانية في منظومة الدفاع الإقليمي التي يسعى الكيان لترسيخها حول إيران ومحور المقاومة.

في موازاة هذا البعد العسكري المباشر، حرص هاكابي على إبراز “الوجه الناعم” للعلاقة، متغنياً بما اعتبره مكاسب اقتصادية وتكنولوجية وأمنية جنتها الإمارات من انخراطها العميق في الشراكة مع الكيان الصهيوني، ومشيراً إلى أن هذه الشراكة بلغت حد أن الكيان بات يرسل منظومات حيوية تعد جزءاً من أمنه القومي إلى خارج حدوده لأول مرة في تاريخه. هذا التطور يكشف عن مستوى ثقة سياسي وأمني غير مسبوق، لكنه في الوقت نفسه يعكس درجة اعتماد متبادل تجعل أمن الإمارات امتداداً لأمن الكيان، بحيث تتحول أي مواجهة إقليمية مع محور المقاومة أو إيران إلى اختبار مباشر لهذه المنظومة المشتركة وللطرفين معاً. وهنا تبرز الدلالة الأعمق: انتقال التطبيع من مربع “السلام البارد” إلى مستوى تحالف أمني مندمج، حيث تتقاطع خرائط الدفاع الجوي والإنذار المبكر وتبادل البيانات العملياتية في شبكة واحدة.

لا تقف المسألة عند حدود إرسال بطارية واحدة؛ فالتقارير التي سبقت تصريح هاكابي كانت قد تحدثت عن نشر القبة الحديدية وربما تقنيات أخرى مثل منظومة “الليزر” الدفاعية، في إطار ما وُصف بأنه “حزمة دفاعية” موجهة للتعامل مع تهديدات الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى والمسيّرات الإيرانية. هذا التوسع في النطاق التقني يعني أن الإمارات باتت حقل اختبار عملي لمنظومات صهيونية حديثة، تستفيد من البيئة العملياتية الحقيقية لتطوير أدائها في مواجهة هجمات متوقعة ومستمرة، وليس في مناورات افتراضية أو مختبرات مغلقة. وبذلك تتحول أراضي الإمارات إلى مختبر ميداني لتطوير قدرات الكيان الدفاعية، بينما تُسوَّق هذه الشراكة في الخطاب الرسمي بوصفها ضمانة لأمن الدولة الخليجية واستقرارها الاقتصادي.

على الضفة المقابلة، تتلقى قوى المقاومة في غزة ولبنان وسائر ساحات المواجهة هذا التطور بوصفه حلقة جديدة في سلسلة “عسكرة التطبيع”، حيث لم يعد الدعم مقتصراً على غرف عمليات أو صفقات سلاح عبر وسطاء، بل أصبح علنياً، معلناً ومؤطراً باتفاقات سياسية معلنة. من زاوية قراءة موازين القوى، فإن انتشار القبة الحديدية خارج الأراضي المحتلة يضاعف من انتشار بصمة الكيان العسكرية في الفضاء العربي، لكنه في الوقت ذاته يوسع من خريطة الأهداف المحتملة في أي مواجهة مقبلة، إذ يغدو استهداف المنظومات الصهيونية المنتشرة في دول أخرى جزءاً من قواعد الاشتباك الجديدة. هكذا يتحول السلاح الذي يُقدَّم كـ”مظلة حماية” إلى عامل استدعاء محتمل للخطر، ويصبح الأمن المستورد من الكيان باباً خلفياً لتدويل الصراع وإخراجه من الجغرافيا الفلسطينية إلى فضاءات عربية أوسع.

من منظور استراتيجي، يحمل قرار الكيان إرسال منظومة دفاعية مع طواقم تشغيله إلى الإمارات ثلاث دلالات رئيسية: أولاً، انتقال الكيان من مرحلة الدفاع عن نفسه داخل حدود فلسطين المحتلة إلى مرحلة تبني دور “الضامن الأمني” لحلفاء عرب في مواجهة خصوم مشتركين، وعلى رأسهم إيران. ثانياً، تعميق الاندماج الأمني الإماراتي – الصهيوني إلى مستوى يجعل من الصعب فصل أمن أحد الطرفين عن الآخر في أي تصعيد مقبل، بحيث يصبح استهداف أحدهما بمثابة تهديد تلقائي للآخر، وهو ما يرفع كلفة الانفكاك السياسي مستقبلاً. ثالثاً، ترسيخ نموذج جديد للتطبيع يقوم على فكرة “التحالف الوظيفي”، حيث تُستخدم الجغرافيا الإماراتية كقاعدة أمامية، وتُستخدم التقنية الصهيونية كأداة حماية، بينما يبقى القرار السيادي الحقيقي رهينة لهذه الشبكة المعقدة من المصالح الأمنية والعسكرية.

هذا التحالف الدفاعي لا ينفصل عن المشهد الجوي والاقتصادي؛ فرغم أن شركات عالمية كبرى علّقت أو قلصت رحلاتها إلى مطار بن غوريون خلال جولات الحرب على غزة وما تلاها، فإن خطوط الربط بين الكيان ومنطقة الخليج حافظت على مسارات مستمرة عبر شركات ناقلة مختلفة، وإن شهدت تذبذبات وتعديلات زمنية وفق تصاعد وتيرة المواجهة. في هذا السياق، يتحول “الممر الجوي” إلى مكمل طبيعي لـ”الممر الدفاعي”، حيث لا تقتصر العلاقة على تبادل السياح ورجال الأعمال، بل تمتد إلى حركة الخبراء العسكريين والتقنيين وقطع الغيار الحساسة للمنظومات الدفاعية التي نُشرت على الأراضي الإماراتية. ومع كل رحلة تقل مهندسي أنظمة الدفاع أو تحمل مكونات حساسة للقبة الحديدية، تزداد كثافة الخيوط التي تربط البنية التحتية الإماراتية بمراكز القرار والتصنيع العسكري في الكيان.

ومن زاوية القراءة المستقبلية لمآلات هذا المشهد، يمكن القول إن الإمارات بإدخالها منظومات القبة الحديدية إلى أراضيها لم تعد فقط طرفاً في معادلة “السلام مع الكيان”، بل أصبحت عنصراً بنيوياً في منظومة الأمن الإقليمي التي يروج لها المحور الأميركي – الصهيوني، بما يعني أن أي مواجهة واسعة مع إيران أو محور المقاومة ستضعها في قلب مسرح العمليات، لا على هامشه. ومع كل جولة تصعيد جديدة، ستجد أبوظبي نفسها أكثر ارتهاناً للخبرة العسكرية الصهيونية، وأكثر انكشافاً أمام غضب الشعوب العربية والرأي العام الذي يرى في استضافة جنود ومنظومات العدو على أرض عربية انحيازاً فاضحاً لصالح مشروع يستهدف فلسطين والمنطقة برمتها. وهكذا، بينما تُسوَّق القبة الحديدية كدرع يحمي الأبراج والأسواق ومرافق الطاقة في الخليج، فإنها في العمق تعيد رسم خرائط الولاء والخصومة في المنطقة، وتفتح صفحة جديدة من صفحات الصراع، عنوانها أن أمن العروش بات مرهوناً بسلاح قادم من تل أبيب، وأن رمال الخليج لم تعد خارج مدى القبة الحديدية ولا خارج مدى تبعاتها السياسية والأمنية.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.