مآلات ميديا – جنوب لبنان:
في تطور يكشف جانباً خفياً من تعقيدات المواجهة، وجدت قوات الكيان الصهيوني المنتشرة في جنوب لبنان نفسها أمام تهديد غير تقليدي، لا يرتبط برصاص أو صواريخ، بل بكائن مجهري يختبئ في عتمة الأرض. فقد أفادت وسائل إعلام عبرية، من بينها القناة 14 وصحيفة “يديعوت أحرونوت”، بتفشي ما يُعرف بـ”حمّى الكهوف” في صفوف الجنود، في حادثة أثارت حالة من الإرباك داخل المؤسسة العسكرية، وأعادت تسليط الضوء على المخاطر البيئية المصاحبة للعمليات الميدانية.
المعطيات الأولية تشير إلى تسجيل إصابات مباشرة بين الجنود، في حين تم عزل نحو 200 جندي آخرين وإخضاعهم لعلاج وقائي مكثف باستخدام المضادات الحيوية، بسبب مخالطتهم للمصابين أو تواجدهم في نفس البيئات المغلقة. وبحسب المصادر ذاتها، فقد جرى سحب المصابين والمخالطين من ساحات القتال بشكل فوري، في خطوة تعكس حجم القلق من انتشار العدوى داخل الوحدات العسكرية.
المرض الذي يقف خلف هذه التطورات يُعرف علمياً بـ”الحمى الراجعة المتوطنة”، وهو ناتج عن بكتيريا “البوريليا” التي تنتقل عبر لدغات نوع من القراد الرخو، وهي حشرة صغيرة الحجم لكنها شديدة التأثير، تنشط في البيئات الرطبة والمظلمة مثل الكهوف، وشقوق الصخور، والأنفاق تحت الأرض. وتكمن خطورة هذا المرض في طبيعته المتكررة، إذ يعاني المصاب من نوبات متتالية من الحمى المرتفعة، مصحوبة بقشعريرة حادة، وصداع شديد، وآلام عضلية، إضافة إلى طفح جلدي، مع احتمالات تطور الحالة لتطال الجهاز العصبي والكبد والقلب في حال عدم التعامل معها بشكل مناسب.
وما يضفي بعداً أكثر تعقيداً على المشهد هو أن هذه الإصابات لم تأتِ في توقيتها المعتاد، إذ يرتبط نشاط هذا المرض غالباً بأواخر فصل الصيف، حين ترتفع درجات الحرارة بشكل يساعد على تنشيط الحشرات الناقلة. إلا أن الواقع الميداني فرض ظروفاً مختلفة؛ فبقاء الجنود لفترات طويلة داخل أنفاق ومخابئ دافئة ومغلقة، هرباً من التهديدات المباشرة، خلق بيئة مثالية لنشاط القراد في وقت مبكر، وهو ما وصفه البروفيسور تال بروش، مدير وحدة الأمراض المعدية، بأنه “تطور استثنائي ومقلق”.
هذا التحول يكشف مفارقة لافتة؛ فالملاجئ التي صُممت لتكون وسيلة حماية من الأخطار الأمنية، تحولت عملياً إلى بؤر خطر صحي، حيث وفّرت ظروفاً مثالية لتكاثر الحشرات الناقلة للمرض. ومع اعتماد الجنود على النوم المباشر على الأرض والبقاء في أماكن ضيقة ورطبة، أصبحوا عرضة مباشرة للإصابة، في مشهد يعكس تداخلاً معقداً بين العاملين العسكري والبيئي.
التاريخ بدوره يعزز من دلالة ما يحدث اليوم، إذ تشير البيانات إلى أن جنوب لبنان لم يكن يوماً بيئة آمنة من هذا النوع من الأمراض بالنسبة لقوات الكيان الصهيوني. فخلال الفترة الممتدة بين عامي 1975 و2003، سُجلت نسبة تقارب 3% من إجمالي إصابات هذا المرض ضمن صفوف الجيش، في حين أظهرت تقديرات صادرة عن جهات صحية، بينها مركز السيطرة على الأمراض (CDC)، أن الجنود شكّلوا نحو 7% من مجمل الحالات في المنطقة، وهو رقم يعكس نمطاً متكرراً من التعرض المرتبط بطبيعة الانتشار الميداني.
وتقود هذه المعطيات إلى قراءة أعمق في بنية إدارة المخاطر داخل المؤسسة العسكرية، حيث يبدو أن التركيز ينصب غالباً على التهديدات المباشرة، في حين يتم التقليل من شأن المخاطر البيئية والصحية التي قد تتحول إلى عامل إرباك حقيقي. فالإصابة بمرض معدٍ داخل وحدة عسكرية لا تؤثر فقط على الأفراد المصابين، بل تمتد لتضرب الجاهزية العامة، وتفرض إجراءات عزل وتعقيم وإعادة تنظيم قد تعطل سير العمليات.
وفي سياق أوسع، تعكس هذه الحادثة طبيعة الحروب الحديثة التي لم تعد تقتصر على المواجهات المباشرة، بل باتت تشمل طيفاً واسعاً من التحديات غير التقليدية، حيث يمكن لعوامل تبدو هامشية، كحشرة صغيرة، أن تُحدث أثراً ملموساً في ميزان القوة. وبينما يسعى الكيان الصهيوني إلى تعزيز حضوره العسكري في بيئات معقدة، تبرز مثل هذه الحوادث كتذكير بأن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على كل ما تختزنه من مخاطر كامنة.
وفي المحصلة، فإن تفشي “حمّى الكهوف” في صفوف الجنود لا يمكن قراءته كحادثة صحية ، بل كإشارة مركبة إلى حدود القوة العسكرية حين تصطدم بعوامل الطبيعة، حيث تتحول التفاصيل الدقيقة إلى عناصر فاعلة في إعادة تشكيل مشهد الصراع، وتفرض على الفاعلين إعادة النظر في استراتيجياتهم، ليس فقط في مواجهة الخصوم، بل في التعامل مع البيئة ذاتها.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















