م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا:
تعيش مدن كثيرة في البيئات الهشّة أزمة موجعة مع خدمة يفترض أنها من أبسط حقوق الناس: ماء نظيف ومنتظم يصل إلى البيوت والمحلات والعيادات، مقابل تعرفة عادلة ومفهومة. غير أن ما يتكشف من شكاوى المواطنين، وما يظهر إلى العلن من تفاصيل داخل عدد من مؤسسات المياه والصرف الصحي، يكشف أن القضية أعمق من انقطاع متكرر أو فاتورة مرتفعة. إنها أزمة ثقة وعدالة وحوكمة، وأزمة إدارة مرفق حيوي يجد نفسه محاصراً بين غضب الناس، وشح الموارد، وتعطّل التمويل، وانسحاب الدعم، وبيروقراطية لا ترى أثر القرار المؤجل على حياة المواطنين.
في مثل هذه الأزمات، لا يقف المواطن أمام خزان فارغ بوصفه شاهداً على خلل فني محدود، بل يرى أمامه سلسلة طويلة من القرارات المتأخرة، والموارد المعطلة، والإدارات المقيدة، والدعم الذي تراجع في لحظة كانت الحاجة إليه أشد. وحين تصل الفاتورة إلى الناس بينما لا تصل المياه بالقدر نفسه من الانتظام والوضوح، لا تنهار الخدمة وحدها، بل تنهار الثقة أيضاً. عندها يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من المسؤول عن هذا العطش؟ هل مؤسسات المياه وحدها، أم أن هناك منظومة أوسع تخنقها من الداخل والخارج ثم تتركها في واجهة الاتهام؟
في مدن كثيرة، ينتظر المواطن أسابيع طويلة، وقد يمتد الانتظار إلى شهر أو شهرين حتى تصل المياه إلى خزان منزله، ومع ذلك تستمر الفواتير وكأن الخدمة منتظمة. هنا تتولد الجملة التي تختصر جوهر الأزمة: حاسبونا على ما دخل خزاناتنا فقط. فالمواطن لا يرفض مبدأ الدفع مقابل خدمة عامة، لكنه يرفض أن يُحاسب على غياب المياه كما يُحاسب على وصولها. يرفض أن يدفع كلفة خدمة لم يحصل عليها فعلاً، أو أن تُفرض عليه باقات واشتراكات ثابتة لا تعكس كمية المياه التي وصلت إلى بيته أو محله أو عيادته.
من هذه المفارقة يتشكل الإحساس العام بأن العلاقة بين المواطن ومؤسسات المياه لم تعد علاقة خدمة عامة بقدر ما أصبحت، في نظر كثيرين، علاقة جباية. فحين يصبح حضور الفاتورة أكثر انتظاماً من حضور المياه، وحين يُطلب من الناس دفع مبالغ ثابتة في خدمة متقطعة، وحين تغيب آليات الاعتراض السريعة والعادلة، يشعر المواطن أن المؤسسة تطالبه بالمال قبل أن تطمئنه إلى عدالة الخدمة. وهذا الشعور، إذا ترسخ، يصبح أخطر من العجز المالي نفسه؛ لأن المؤسسة حين تفقد ثقة الناس تفقد أحد أهم شروط قدرتها على التحصيل والاستمرار.
نظام الباقات والاشتراكات الثابتة كان في تجارب كثيرة الشرارة الأوضح لهذا التوتر. فالباقة تُفهم عادة في الخدمات المتاحة على نحو مستقر، حيث يدفع المستخدم مبلغاً ثابتاً لأنه قادر على الاستفادة من الخدمة متى احتاج إليها. أما في خدمات المياه، حيث قد لا تصل المياه إلا على فترات متباعدة، فإن فرض منطق الباقة على واقع خدمة منقطعة يخلق تناقضاً يصعب إقناع الناس به. كيف يُطلب من مواطن لم تمتلئ خزاناته إلا مرة أو مرتين خلال فترة طويلة أن يدفع كأنه حصل على خدمة منتظمة؟ وكيف يُطالَب صاحب محل أو عيادة أو أسرة محدودة الدخل بفواتير لا تعكس الاستهلاك الفعلي، بينما يضطر في الوقت نفسه إلى شراء المياه من مصادر بديلة؟
وتزداد الفجوة حين يقارن الناس بين مدن ومناطق داخل البلد الواحد. فالسؤال الذي يتردد بينهم لا يحتاج إلى خبرة فنية معقدة: كيف تكون الخدمة أضعف والفاتورة أعلى؟ وكيف تُفرض على مواطن ينتظر المياه طويلاً تعرفة لا تبدو منسجمة مع مستوى الخدمة التي يحصل عليها؟ هذه المقارنات، حتى حين لا تكون دقيقة بالكامل من الناحية الفنية، تكشف حقيقة مهمة: الناس لا تقيس التعرفة بالأرقام وحدها، بل تقيسها بما يصل إلى خزاناتها، وباحترام المؤسسة لحقها في الفهم والاعتراض والإنصاف.
وراء هذه الصورة الاجتماعية المتوترة تقف قصة مالية وتشغيلية لا تقل تعقيداً. مؤسسات المياه في البيئات الهشة لا تعمل غالباً في ظروف طبيعية؛ فهي تحتاج إلى وقود أو كهرباء أو منظومات طاقة بديلة، وتحتاج إلى صيانة وقطع غيار وفنيين ومخزون طوارئ، وتحتاج قبل ذلك إلى سيولة منتظمة تحمي التشغيل اليومي من التوقف. وحين يضعف التحصيل بسبب ضعف الخدمة، وتتراكم مديونيات الوقود، ويفقد الموردون ثقتهم بقدرة المؤسسة على السداد، تبدأ حلقة الاختناق: لا وقود كافياً للتشغيل، ولا تشغيل كافياً لتحسين الخدمة، ولا خدمة كافية لإقناع الناس بالدفع، ولا تحصيل كافياً لاستعادة ثقة الموردين.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا تُقرأ هذه الأزمات من زاوية إدانة مؤسسات المياه وحدها. فالكثير من هذه المؤسسات ليست جالسة بلا حراك، وليست بالضرورة متقاعسة بإرادتها. ما يظهر في حالات كثيرة أن الإدارات تحاول الحفاظ على حد أدنى من الضخ، وتدبير الوقود المتاح، وتنظيم جداول خدمة للأحياء، ومجاراة ضغط المواطنين، واحتواء غضب الموردين، ومعالجة الأعطال في شبكات ومضخات تعمل فوق طاقتها. لكنها، في المقابل، تجد نفسها بين ضغوط متعاكسة: مواطنون فقدوا الصبر والثقة، موردون يطالبون بسداد ديون متراكمة، جهات رقابية تطالب برفع التحصيل، وسلطات مالية وإدارية تؤخر تنفيذ التزامات كان يمكن أن تمنح المؤسسة فرصة لالتقاط الأنفاس.
وهنا تظهر واحدة من أكثر زوايا الأزمة قسوة: قد تصل مؤسسات المياه إلى تفاهمات مالية أو تشغيلية مهمة مع جهات رسمية أو مورّدين أو سلطات محلية، لتسوية جزء من المديونيات أو تأمين وقود أو توفير سيولة تساعد على استمرار الخدمة، ثم تتعطل تلك التفاهمات في الممرات الإدارية. لا يخرج القرار في وقته، ولا تُنفذ الالتزامات حين تكون المؤسسة في أمسّ الحاجة إليها، ولا يجد الرأي العام تفسيراً واضحاً لهذا التأخير. وهنا لا تكون المشكلة في غياب الحلول، بل في تعطيل الحلول بعد أن تصبح قريبة من التنفيذ.
عرقلة تنفيذ الالتزامات المالية المتفق عليها في قطاع المياه لا يمكن التعامل معها كإجراء إداري عادي. من يؤخر تمويلاً مخصصاً لتأمين الوقود أو تسوية الديون أو تمكين مؤسسات المياه من مواصلة التشغيل لا يوقف ورقة في مكتب؛ إنه يضعف قدرة المرفق على ضخ المياه، ويمدد فترات الانقطاع، ويعمق أزمة الثقة مع الموردين، ويدفع المواطنين إلى كلفة مضاعفة. فالقرار المؤجل في قطاع المياه لا يبقى داخل الديوان، بل يصل أثره إلى الخزانات الفارغة، وإلى الأسرة التي تنتظر الماء، وإلى المحل الذي يتعطل عمله، وإلى العيادة التي لا تستطيع خدمة الناس كما ينبغي.
الأشد ظلماً أن من يعرقل هذه الالتزامات لا يظهر غالباً في واجهة الغضب الشعبي. الناس ترى مؤسسات المياه لأنها الطرف الذي يصدر الفاتورة، ويعلن برنامج الضخ، ويتلقى الشكاوى، ويواجه الشارع. لكنها لا ترى دائماً الجهة التي عطلت الصرف، أو أخرت التسوية، أو تركت الاتفاق معلقاً حتى فقد أثره العملي. هكذا تُدفع المؤسسات إلى مواجهة الجمهور بيدين مقيدتين، بينما يتوارى المتسبب الحقيقي خلف صمت المكاتب وتعقيد الإجراءات. وهذه واحدة من أقسى صور الظلم الإداري: أن تُحرم المؤسسات من أدوات النجاة، ثم تُدان وحدها لأنها لم تنجُ.
ولا يعني هذا إعفاء مؤسسات المياه من مسؤولياتها. الظروف الصعبة لا تبرر غياب الشفافية، ولا تسمح بقسوة التحصيل، ولا تعفي من ضبط الإنفاق، ولا تمنح أي إدارة حق تحميل المواطن كلفة ضعف التنظيم الداخلي. لكنها تفرض قراءة أكثر عدلاً؛ فهناك مسؤولية داخلية تتعلق بالكفاءة والإنصاف والبيانات وطريقة التعامل مع المشتركين، وهناك مسؤولية خارجية تتعلق بتمكين هذه المؤسسات من مواردها، وتنفيذ الالتزامات المتفق عليها، ومنع تحويل المرفق الخدمي إلى رهينة للتأخير والعرقلة والتجاذبات.
وعلى مستوى البنية التقنية، حاولت مؤسسات مياه كثيرة، بدعم من منظمات دولية وصناديق اجتماعية وجهات أممية، التوجه نحو الطاقة الشمسية للتخفيف من عبء الوقود. هذه المشاريع كان يمكن أن تشكل نقلة مهمة في خفض كلفة التشغيل وتحسين انتظام الخدمة، خاصة في بيئات تعاني من تقلبات الوقود وارتفاع أسعاره. غير أن أثرها لم ينعكس دائماً على المواطن بالطريقة المتوقعة. فما زالت التعرفة، في نظر كثيرين، مرتفعة، وما زالت الخدمة متقطعة، وما زال الحديث عن الطاقة الشمسية أقل تأثيراً مما وُعد به الناس، لأسباب تتداخل فيها الصيانة، والفاقد، وضعف الإدارة، ونقص التمويل التشغيلي، وعدم اكتمال الانتقال من الدعم الطارئ إلى الاستدامة المؤسسية.
وهنا لا تكتمل القراءة دون التوقف عند دور المنظمات الإنسانية والجهات الداعمة. فالإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذه المنظمات قدمت خلال سنوات الحرب والانهيار دعماً مهماً لمؤسسات المياه، وأسهمت في إبقاء مرافق كثيرة على قيد التشغيل من خلال الوقود، والصيانة، وقطع الغيار، والحوافز، ومشاريع الطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل بعض الأصول. ولولا جانب من هذا الدعم لكانت خدمات المياه في مناطق كثيرة قد وصلت إلى مستويات أشد قسوة. لكن الاعتراف بهذا الدور لا يمنع طرح سؤال صعب: ماذا يحدث عندما تنسحب هذه المنظمات أو تقلص تدخلاتها في اللحظة التي تكون فيها المؤسسات في أمسّ الحاجة إلى المساندة؟
المشكلة ليست أن الدعم الإنساني مؤقت بطبيعته، فهذا مفهوم في منطق التمويل والمشاريع، وإنما أن بعض التدخلات لا تُصمَّم منذ البداية على أساس نقل المؤسسات من الاعتماد إلى القدرة الذاتية. تُمول منظومة شمسية، أو تُقدَّم كميات وقود، أو تُصرف حوافز، أو تُنفذ أعمال صيانة، ثم ينتهي المشروع قبل أن تمتلك المؤسسات نظاماً مالياً وتشغيلياً قادراً على تحمل الكلفة التالية: صيانة الألواح والمحولات، استبدال القطع، دفع مستحقات الفنيين، تأمين الوقود الاحتياطي، إدارة المخزون، وتغطية النفقات اليومية. وهكذا تبدو المؤسسات وكأنها تلقت دعماً كبيراً، لكنها تجد نفسها لاحقاً أمام أصول تحتاج إلى تشغيل وصيانة، وفريق يحتاج إلى حوافز، ومواطنين ينتظرون خدمة، دون مورد مستقر يضمن استمرار ما بدأه الدعم.
تلك هي الفجوة التي ينبغي مساءلتها بجدية: هل كان الدعم يبني قدرة دائمة، أم كان يؤجل الانهيار؟ فالمنظمات قد تنجح في إنقاذ الخدمة مؤقتاً، لكنها تترك المؤسسات أكثر انكشافاً إذا لم ترافق تدخلاتها بخطة خروج مسؤولة، وتمويل انتقالي، وبناء قدرات حقيقي، ونظام واضح لتغطية التشغيل والصيانة بعد انتهاء المشروع. الدعم الذي لا يترك وراءه قدرة مؤسسية قابلة للاستمرار يتحول، مهما حسنت نواياه، إلى جسر قصير فوق فجوة طويلة؛ تعبر عليه المؤسسة لبعض الوقت، ثم تجد نفسها عند نهايته أمام الهاوية نفسها، وربما بانتظارات شعبية أعلى وأعباء تشغيلية أكبر.
ومن زاوية الحوكمة، فإن تراجع الدعم في لحظة حرجة لا ينبغي أن يُقرأ كقرار تمويلي محايد. المياه خدمة حياة، وأي انسحاب مفاجئ أو تقليص غير مصحوب بخطة انتقالية قد يؤدي إلى تعطل الضخ، وتراكم الأعطال، وتراجع التحصيل، وانهيار الثقة مع المواطنين والموردين. لذلك فإن المنظمات الإنسانية، خصوصاً حين تكون قد أسهمت لسنوات في إبقاء هذه المؤسسات قائمة، لا تستطيع أن تتعامل مع الانسحاب وكأنه إغلاق عادي لمشروع. الواجب المهني والإنساني يقتضي خروجاً تدريجياً، معلناً، مرتبطاً بمؤشرات جاهزية، ومصحوباً بترتيبات تمنع سقوط المؤسسات فجأة في الفراغ.
ولا يعني ذلك أن تتحول المنظمات إلى بديل دائم عن الدولة أو عن مؤسسات المياه، ولا أن تتحمل وحدها كلفة العجز المزمن. المطلوب أن يكون تدخلها منسجماً مع مبدأ تعزيز الأنظمة المحلية لا تجاوزها. فبدلاً من دعم متقطع يعالج الأعراض، ينبغي أن يتجه الإسناد إلى تقوية قدرة المؤسسات على التخطيط المالي، وإدارة التشغيل والصيانة، وتحسين التحصيل، وبناء احتياطي للطوارئ، وتدريب الكوادر، وإرساء مؤشرات شفافة. النجاح الحقيقي لا يتحقق عندما تعمل المضخات لشهر أو شهرين، بل عندما تصبح المؤسسات قادرة على تشغيلها بعد مغادرة المشروع.
في الداخل، لا تبدو مؤسسات المياه في البيئات الهشة دائماً في أفضل حالاتها التنظيمية. إهمال الموظفين، وخصوصاً مشغلي المضخات والمولدات والفنيين، وعدم عدالة توزيع المستحقات، يخلق حالة تذمر تضرب قلب الخدمة. هؤلاء الذين تقع على عاتقهم مهمة تشغيل الآبار والمولدات في ظروف صعبة قد يشعرون بأن نصيبهم من التقدير والحوافز أقل مما ينبغي، في حين تحصل فئات أخرى على امتيازات أكبر داخل مؤسسات مواردها محدودة أصلاً. والظلم التنظيمي لا يبقى داخل الملفات؛ إنه يظهر في ضعف المبادرة، وبطء الاستجابة، وتراجع الانتماء، وتآكل روح الفريق.
وتزداد الأزمة تعقيداً حين تترك التجاذبات المرتبطة بتعيين القيادات آثارها داخل المؤسسات. فالانقسام بين كتل داعمة على مستويات محلية ومركزية لا يتوقف عند لحظة التعيين، بل يتسرب إلى تفاصيل العمل اليومي: من يقف مع من؟ أي قرار يخدم أي طرف؟ وأي إصلاح يُفسَّر على أنه انتصار لفريق أو خسارة لآخر؟ حين تدخل مؤسسات المياه هذا النوع من الاصطفاف، تصبح القرارات الفنية محملة بحسابات النفوذ، ويتحول التشغيل اليومي إلى ساحة صغيرة لصراعات لا علاقة لها بحاجة الناس إلى الماء.
غياب التشاور المؤسسي يزيد الصورة تعقيداً. فبدلاً من إدارة القضايا التشغيلية بروح الفريق، وباجتماعات تجمع الإدارة العليا بالإدارات الوسطى والفرق الفنية، يسود في بعض الحالات انطباع بأن قرارات حساسة تُتخذ في نطاق ضيق، وأن أصوات الفنيين الذين يواجهون الأعطال على الأرض لا تصل في الوقت المناسب إلى موائد القرار. وفي مؤسسات الخدمة العامة، يتحول هذا النمط سريعاً إلى دائرة مفرغة: قرار غير واقعي يصدر من فوق، صعوبة تنفيذه تظهر على الأرض، الفشل يُنسب إلى الفرق الميدانية، فتزداد الفجوة بين المستويات الإدارية، وتتراجع الثقة والأداء معاً.
على الضفة الأخرى، يتعامل المواطن مع كل هذه التعقيدات من زاوية يومية بسيطة: الماء لا يصل، والفاتورة تصل. العداد لا يعني له شيئاً إذا كان لا يعكس ما دخل إلى خزان بيته. الشكوى لا تطمئنه إذا كانت تقوده إلى إجراءات أكثر تشدداً بدل إنصافه. المقارنة مع مدينة أخرى تصبح دليلاً في نظره على الظلم. ومن هنا تصبح وسائل التواصل، في ظل ضعف قنوات الشكوى الرسمية، مساحة لعرض المظالم وجمع الشهادات والمقارنات، حتى وإن دخلتها المبالغة أحياناً. فالناس حين لا يجدون باباً مؤسسياً موثوقاً، يبحثون عن منبر عام يسمعهم.
بهذه الصورة، تتحول حكايات بدأت من فواتير فردية أو برنامج ضخ متعثر إلى ملف أوسع يضع مؤسسات المياه أمام سؤالين متلازمين: كيف تحافظ على الحد الأدنى من التشغيل في بيئة مالية وسياسية خانقة؟ وكيف تخرج في الوقت نفسه من صورة الجباية التي ترسخت في أذهان الناس؟ هذا السؤال لا تستطيع المؤسسات الإجابة عنه وحدها، كما لا تستطيع الهروب منه. فهي مطالبة بإصلاح إدارتها الداخلية، لكنها تحتاج أيضاً إلى بيئة خارجية لا تخنقها ثم تحاسبها على الاختناق.
الإصلاح الجاد يبدأ من إعادة ترتيب السؤال. المشكلة ليست: هل التعرفة مرتفعة أم منخفضة؟ السؤال الأهم: هل تستند التعرفة إلى خدمة قابلة للقياس، وكلفة معلنة، وفاتورة عادلة، ونظام تحصيل محترم، ومؤسسات قادرة على إدارة مواردها؟ قبل أي حديث عن رفع الأسعار أو تعديل الاشتراكات، يجب مراجعة كلفة الخدمة، وعدالة الفواتير، وحالة العدادات، ونسبة الفاقد، واستقرار الوقود، وكفاءة الإنفاق، ومديونيات الجهات الكبيرة، ووضع العاملين، وخطة الصيانة. دون ذلك ستظل التعرفة ساحة صراع، لا أداة تمويل.
وتحتاج مؤسسات المياه، في لحظات الإنهاك، إلى خلية أزمة صغيرة بصلاحيات واضحة، لا إلى لجان واسعة تستهلك الوقت. تبدأ هذه الخلية بحصر السيولة، والديون، والمستحقات، ومخزون الوقود، وحالة المضخات، واحتياجات الصيانة، وساعات الضخ، والالتزامات العاجلة. ثم تُبنى على هذه البيانات أولوية صارمة: استمرار الخدمة، تأمين الطاقة، دفع مستحقات الفرق الحرجة، إصلاح الأعطال المؤثرة، وتجميد أي نفقات لا تخدم التشغيل المباشر.
وفي الوقت نفسه، لا بد من مصالحة تجارية مع المواطنين. تبدأ بإعادة الاعتبار للعداد حيثما أمكن، وربط الفاتورة بالاستهلاك الحقيقي، وشرح أي رسوم ثابتة بلغة واضحة، وفتح نافذة اعتراض محترمة وسريعة، ووقف أي ممارسات تحصيل تكسر الثقة. فالمواطن لا يرفض الدفع دائماً، لكنه يرفض الغموض، ويقاوم الفاتورة التي لا يفهمها، ويغضب حين يشعر أن المؤسسة تطالبه بما لا تقدم مقابله خدمة مقنعة.
وعلى المدى المتوسط، تحتاج مؤسسات المياه إلى لوحة مؤشرات بسيطة لكنها حاسمة: عدد أيام دورة الضخ، ساعات الخدمة، كمية المياه المنتجة، نسبة الفاقد، كلفة الوقود لكل متر مكعب، نسبة التحصيل، عدد الشكاوى، زمن معالجة الأعطال، مخزون قطع الغيار، وحجم الديون الحكومية والخاصة. هذه المؤشرات ليست أرقاماً للعرض، بل لغة الإدارة الفعلية. فمن لا يقيس لا يستطيع أن يدير، ومن لا يشرح لا يستطيع أن يقنع.
أما على المدى الأبعد، فلا بد من عقد أداء واضح بين مؤسسات المياه والسلطات المحلية والجهات المركزية والمنظمات الداعمة. يحدد هذا العقد ما تلتزم به المؤسسات من خدمة وشفافية وكفاءة، وما تلتزم به السلطات من دعم وحماية للموارد ومنع التدخلات غير الفنية، وما تلتزم به الجهات الحكومية من سداد فواتيرها وتنفيذ التفاهمات المالية في وقتها، وما تلتزم به الجهات الداعمة من خطط انتقالية لا تترك المرافق الحيوية عند لحظة الانكشاف. لا يمكن أن تُعامل مؤسسات المياه كواجهات تتحمل الغضب وحدها، ثم يُطلب منها أن تعمل بكفاءة واستقرار.
في العمق، ما يجري في مؤسسات المياه في البيئات الهشة يقدم نموذجاً مكثفاً لأزمة إدارة مرفق عام في ظروف استثنائية: مديونيات وقود، مستحقات حكومية معلقة، دعم خارجي لم يتحول دائماً إلى قدرة مستدامة، موظفون يشعرون بعدم العدالة، مواطنون فقدوا الثقة في علاقة الفاتورة بالخدمة، وقرارات غير شفافة عززت الانطباع بأن الماء يُدار كملف تحصيل لا كحق أساسي. وفي المقابل توجد إدارات تحاول إبقاء المضخات تعمل، وتوزيع القليل المتاح، واستثمار ما توفر من دعم وطاقة شمسية، لكنها تصطدم كل مرة بجدار أسمك من قدرتها: جدار السياسات العامة والديون والبيروقراطية وفجوة الانتقال من الإغاثة إلى الاستدامة.
ليست أزمة المياه إذن قصة فاتورة مرتفعة فقط، ولا قصة مؤسسات عاجزة فقط، ولا قصة مواطن غاضب فقط. إنها صورة كاملة لفخ إداري تتداخل فيه الموارد المعطلة، والالتزامات المؤجلة، والدعم المنسحب، وضعف الحوكمة، وغياب الشفافية. في هذا الفخ يدفع المواطن ثمن العطش، وتدفع مؤسسات المياه ثمن قرارات لم تملكها وحدها، ثم تُدان أمام الناس وكأنها الفاعل الوحيد في الأزمة.
ومن هنا تبدأ العدالة: لا بتبرئة مؤسسات المياه ولا بإدانتها وحدها، بل بكشف كل يد ساهمت في خنق المرفق، وكل قرار عطّل إنقاذه، وكل دعم توقف قبل أن يتحول إلى قدرة مستدامة. فإذا استمر هذا المسار دون مراجعة جذرية للأولويات، ودون تنفيذ فعلي للتفاهمات المالية، ودون تحميل جميع الأطراف ـ الحكومية والمحلية والإنسانية ـ نصيبها من المسؤولية، فإن كثيراً من هذه المؤسسات ستنتقل من أزمة مزمنة إلى انهيار مفتوح. ولن يدفع الثمن المواطن وحده، بل سيدفعه أيضاً كل من شارك، بالفعل أو بالصمت أو بالتأخير، في ترك هذا المرفق العام يقترب من حافة السقوط.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



















