مآلات ميديا – تحقيقات :
على بُعد أميال قليلة من قاعات التفاوض ومنصات المؤتمرات الأممية، يعيش آلاف اليمنيين في مخيمات النزوح بمديرية عبس، شمال غربي اليمن، واحدة من أقسى صور الانكشاف الإنساني في بلد أنهكته الحرب وطالت فيه المأساة حتى أصبحت جزءًا من الحياة اليومية. ما يحدث هناك لا يمكن التعامل معه بوصفه أزمة انسانية تُدار بالتقارير الدورية والبيانات الجاهزة، فهو فصل جديد من فصول الإهمال المركّب الذي يطاول ملايين اليمنيين، في لحظة يحتاج فيها أكثر من 22 مليون إنسان إلى مساعدة إنسانية عاجلة.
وتستند هذه القراءة في مادتها الميدانية الأولية إلى ما رصده ووثّقه الصحفي الاستقصائي عيسى الراجحي عبر صفحته الرسمية على منصة فيسبوك، حيث نشر في 12 مايو 2026 تقريرًا مصورًا من داخل مخيمات النازحين في مديرية عبس، عاكسًا معاناة مباشرة لا تحتمل التجميل. وتلتقي شهاداته الميدانية مع ما تورده الوكالات الأممية والمنظمات الدولية من مؤشرات وأرقام، لتشكّل معًا صورة مكتملة عن كارثة إنسانية تتجاوز حدود الوصف، وتضع الجميع أمام سؤال المسؤولية.
فمديرية عبس ليست مجرد نقطة جغرافية على خريطة النزاع اليمني، وإنما تعد ثاني أكبر تجمع للنازحين داخليًا في اليمن، بعد أن لجأ إليها عشرات الآلاف من الفارين من جحيم الاشتباكات في حرض وشمال محافظة حجة. ويعيش هؤلاء في أكثر من 140 مخيمًا عشوائيًا تضم في مجموعها ما يزيد على 220 ألف نازح، يشكّل النساء والأطفال ما لا يقل عن 80 في المئة منهم. خلف هذه الأرقام وجوه أنهكها الجوع، وأجساد أنهكها المرض، وأسر لم تعد تملك من مقومات الحياة سوى انتظار مساعدة قد تصل وقد لا تصل.
وما وثّقه الراجحي من داخل المخيمات يكشف واقعًا تتقاطع فيه الخيمة الممزقة مع المعدة الخاوية والدواء الغائب والماء غير الآمن. فهو يتحدث عن خيام متهالكة، وأكواخ مهددة بالسقوط، وأسر كاملة أنهكها الجوع، تعيش بلا غذاء كافٍ ولا دواء ولا مياه نظيفة. وفي قلب هذه الصورة القاسية، يقف المرضى وكبار السن أمام موت بطيء، لا بسبب غياب الأمل فقط، وإنما بسبب عجزهم عن الوصول إلى أبسط أشكال الرعاية. وتزداد قتامة المشهد حين توضع هذه الشهادات بجوار أرقام أوسع تشير إلى أن 18.3 مليون يمني يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، وأن أكثر من 41 ألف شخص في مديرية عبس وحدها يقفون على حافة المجاعة، فيما تؤكد إحصاءات اليونيسف أن نصف مليون طفل دون الخامسة في اليمن يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم.
ومن بين الوجوه التي جعلت المأساة أكثر قربًا من الضمير، يبرز عبدالله عبده مستباني، المعروف بأبي هاشم، وهو نازح في الستين من عمره ظهر في تقرير الراجحي بوصفه شاهدًا حيًا على ما يمكن أن يفعله الجوع حين يُترك الإنسان خارج دائرة الحماية. فقد أنهكه سوء التغذية الحاد حتى عجز عن الحركة والعمل، ويعيش مع زوجته المعاقة ذهنيًا داخل كوخ متهالك في مخيمات عبس. كان يعتمد سابقًا على المساعدات الإنسانية، غير أن توقف كثير من تدخلات المنظمات دفعه إلى مواجهة الجوع والمرض وحده، مستندًا أحيانًا إلى ما يتصدق به جيران لا يملكون هم أنفسهم ما يكفيهم.
ولا تقف المأساة عند حدود الشهادات الفردية، فقد وثّق الراجحي ثلاث وفيات خلال شهرين في مخيم المهربة بمديرية عبس. الطفلة أشواق علي حسن مهاب، البالغة من العمر سبع سنوات، توفيت في 25 أغسطس 2025 بسبب الجوع المباشر. وبعد أيام، توفيت امرأة مسنة مجهولة الهوية في المخيم ذاته، ثم لحق بهما المسن علي عبدالله في سبتمبر 2025 بعد صراع مرير مع الفقر والمرض والجوع. وكان الراجحي قد نشر قبل شهر من وفاته نداءً إنسانيًا مرفقًا بصورته، غير أن الاستجابة لم تتجاوز، بحسب ما ورد في التقرير، نزولًا ميدانيًا شكليًا من قبل منظمات أممية.
وتتعمق الصورة أكثر حين تُقرأ شهادات النساء داخل المخيمات، كما أوردها صندوق الأمم المتحدة للسكان في توثيق ميداني من مخيمات عبس. فزينب، وهي أم لستة أطفال تتراوح أعمارهم بين 9 و18 عامًا، نازحة منذ عام 2015 بعد مقتل زوجها في غارة جوية، تلخص مأساة الأمومة حين تصبح عاجزة عن إطعام أطفالها. تقول إنها تفقد الأمل أحيانًا وتشعر أن الموت قريب، وإنها سمعت عن أسر نازحة ماتت جوعًا. وفي واحدة من أقسى صور الانكسار الإنساني، تقول إنها تشعل النار أحيانًا لا لتطبخ، وإنما لتوهم أطفالها بأن الطعام قادم، كي تخفف بكاءهم. وفي التوثيق ذاته، تروي فاطمة، وهي أرملة في الستين نزحت من مديرية حرض عام 2015 وتعاني من إصابة في العمود الفقري تمنعها من العمل، أن حياة النزوح لا تُقارن بالحياة التي كانوا يعيشونها في بيوتهم، فلا طعام كافيًا ولا خدمات أساسية، ولا يقين بأن الغد سيكون أقل قسوة من اليوم.
وفي سياق آخر لا يقل مأساوية، تكشف شهادة ناصر، التي أوردتها المنظمة الدولية للهجرة في مايو 2026، عن الوجه الآخر للكارثة حين تتداخل الحرب مع المناخ والفقر وانهيار المأوى. فناصر، وهو نازح يبلغ من العمر 57 عامًا في وادي نخلة قرب حجة، وجد نفسه في مواجهة فيضانات مفاجئة ضربت منطقته في مايو 2026؛ فقد ابنه الصغير الذي انزلق من يديه في الظلام أثناء محاولة الفرار، وجرفت المياه بيته ومواشيه في ليلة واحدة. ولم تكن حالته معزولة، إذ فقدت أكثر من 900 أسرة نازحة في مديرية عبس مساكنها بسبب الفيضانات قبيل مايو 2026، في مشهد يوضح كيف يمكن لكارثة طبيعية أن تتحول إلى مأساة مضاعفة عندما تقع فوق أرض منهكة أصلًا بالحرب والنزوح.
وتأتي هذه الوقائع الميدانية في لحظة انهيار حاد في التمويل الإنساني الدولي. ففي يناير 2025، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا بتعليق المساعدات الخارجية الأمريكية كافة، وهي خطوة وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها قطع مفاجئ وغير مسؤول ستكون له عواقب كارثية. ثم تطور المسار في نهاية عام 2025 إلى استثناء اليمن كليًا من قائمة المستفيدين من المساعدات الأمريكية، الأمر الذي أشعل سلسلة من الانهيارات المتتابعة في منظومة الاستجابة الإنسانية. وفي يناير 2026، أعلن برنامج الأغذية العالمي إنهاء عملياته كاملة في المناطق الخاضعة لسلطة صنعاء، وهي مناطق تمثل ما يقارب 70 في المئة من إجمالي الاحتياجات الإنسانية. ومع هذا الانسحاب والتراجع، أغلقت 453 منشأة صحية في 22 محافظة يمنية أبوابها جزئيًا أو كليًا، بينما بلغ إجمالي التمويل المتاح في عام 2026 نحو 280 مليون دولار فقط، في حين يحتاج برنامج الأغذية العالمي وحده إلى 802.3 مليون دولار.
ومن هنا يكتسب نداء الراجحي إلى المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن معناه الأخلاقي المباشر، فهو لا يطالب بزيارة بروتوكولية جديدة أو تقرير يُكتب ثم يُنسى، وإنما بتدخل عاجل يوفر الغذاء والدواء والمياه النظيفة والمأوى الكريم. غير أن هذه المطالبة تصطدم بواقع أمني وسياسي بالغ التعقيد. ففي فبراير 2025، أصدر الأمين العام للأمم المتحدة قرارًا بتعليق جميع عمليات الوكالات الأممية إثر احتجاز 24 موظفًا أمميًا. وفي أكتوبر من العام نفسه، اقتحمت عناصر مسلحة مكاتب ثلاث منظمات دولية كبرى في مدينة حجة، هي أوكسفام البريطانية، والمجلس النرويجي للاجئين، والمجلس الدنماركي للاجئين، وصادرت معداتها الحيوية. وفي ظل هذا المشهد، لم يتمكن برنامج الأغذية العالمي حتى الآن سوى من الوصول إلى 2000 أسرة من أصل 4000 أسرة مستهدفة في عبس.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن أي سلطة أمر واقع، بما في ذلك سلطة صنعاء، تملك من حيث المبدأ حقًا مشروعًا في اتخاذ الإجراءات التي تراها ضرورية لحماية الأمن العام ومنع أي أنشطة تمس سيادة البلد أو تهدد سلامته، متى استندت هذه الإجراءات إلى مسار قانوني واضح وشفاف يضمن حق الدفاع والتحقق المستقل من الاتهامات. ومن هذا المنطلق، تبرر سلطة صنعاء احتجاز بعض العاملين في المنظمات الدولية والأممية بالحديث عن مخاوف أمنية تتصل بالتجسس والاختراق واستخدام الغطاء الإنساني لأغراض غير إنسانية.
غير أن المنظمات الدولية والأمم المتحدة تنفي هذه الاتهامات، وتؤكد أن موظفيها يعملون في إطار مهام إنسانية محايدة، وأن استهداف العاملين الإنسانيين أو تقييد حركتهم ينعكس مباشرة على قدرة المنظمات على إيصال الغذاء والدواء والمياه والمأوى إلى المحتاجين. وبين رواية سلطة صنعاء التي تستند إلى اعتبارات أمنية، ورواية المنظمات التي تتمسك بالطابع الإنساني والمحايد لعملها، يبقى المدنيون في مخيمات عبس هم الطرف الأضعف في هذه المعادلة القاسية؛ فالجوع لا ينتظر اكتمال التحقيقات، والمرض لا يتوقف عند حدود الجدل السياسي، وسوء التغذية يفتك بالأطفال والنساء وكبار السن قبل أن تصل إليهم أي تسوية أو ضمانة.
لذلك، فإن المسار الأكثر إنصافًا لا يقوم على إنكار المخاوف الأمنية ولا على تجاهل نفي المنظمات، وإنما على إيجاد آلية قانونية شفافة ومستقلة تضمن حق سلطة صنعاء في حماية الأمن، وتحفظ في الوقت ذاته سلامة العاملين الإنسانيين وحياد العمل الإغاثي واستمرارية وصول المساعدات إلى مستحقيها. فالمعضلة الحقيقية ليست في تعدد الروايات فقط، وإنما في أن ضحايا الجوع والمرض وسوء التغذية يدفعون ثمن أي تعطل أو شك أو صراع إداري وأمني قبل أي طرف آخر.
لكن تحميل الأزمة للمنظمات وحدها سيكون تبسيطًا مخلًا لحقيقة أعمق، إذ إن مأساة عبس تقف عند تقاطع مسارات قاتلة؛ انهيار التمويل الدولي، وتقييد العمل الإنساني، واستمرار آثار الحرب والحصار، وتعثر المسار السياسي. فاليمن يستورد ما بين 80 و90 في المئة من احتياجاته الغذائية والدوائية والنفطية، وعلى مدى سنوات فرض التحالف العسكري بقيادة المملكة العربية السعودية قيودًا على المداخل البحرية والجوية، أثرت بصورة تراكمية على قدرة البلاد على الاستيراد. وقد وثّق تقرير الخبراء الأمميين المستقلين لعام 2019 ضربات طالت بنى تحتية مدنية حيوية، وأشار إلى وجود أسس معقولة للاعتقاد بأن الحصار وتجويع المدنيين استُخدما ضمن أدوات الحرب. كما وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش الحصار بأنه يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي لملايين اليمنيين، فيما أشارت مجلة فورين بوليسي إلى أن الحصار السعودي حوّل اليمن إلى منطقة كوارث اقتصادية وإنسانية. وبحلول عام 2025، كانت الحرب قد أودت بحياة نحو 377 ألف يمني بأسباب مباشرة وغير مباشرة.
وبين ضغط الحصار، وتراجع التمويل، وتقلص قدرة المنظمات على الوصول والاستجابة، تتعثر خارطة الطريق السياسية، وتستمر حالة اللاحرب واللاسلم التي أشار إليها الراجحي بوصفها أحد الأسباب العميقة لتفاقم معاناة الناس. فالأزمة الإنسانية في اليمن لم تعد تتأثر بديناميكيات الصراع العسكري وحدها، وإنما باتت تتشكل بصورة متزايدة بفعل انهيار التمويل وتقليص الخدمات وتآكل قدرة المؤسسات الإنسانية على الوصول والاستجابة. ولهذا حذرت الأمم المتحدة في مايو 2026 من اتساع غير مسبوق في الفجوة التمويلية لخطة الاستجابة الإنسانية في اليمن، في وقت تتكاثر فيه الاحتياجات وتتراجع فيه الموارد.
بهذا المعنى، لا تبدو عبس مجرد مساحة نزوح مكتظة، وإنما مرآة مكشوفة لفشل متعدد الطبقات؛ فشل السياسة في وقف الحرب، وفشل التمويل في حماية الحد الأدنى من الحياة، وفشل الضمانات الأمنية والقانونية في الفصل بين المخاوف المشروعة وحماية العمل الإنساني، وفشل العالم في تحويل القلق إلى فعل. وبين كل هذه المستويات، يبقى النازحون في الخيام هم الحلقة الأضعف، لأنهم لا يملكون قدرة على التأثير في قرارات الحرب أو التمويل أو الأمن أو التفاوض، لكنهم يدفعون ثمنها كاملًا من أجسادهم وأطفالهم وكرامتهم.
وفي خاتمة هذا المشهد، يوجه الراجحي نداءً مزدوجًا: نداء إنسانيًا إلى المنظمات للتدخل الفوري، ونداء سياسيًا للتحرك بكل الوسائل الممكنة للضغط من أجل انتزاع حقوق الشعب اليمني وإنهاء واقع يدفع ثمنه الفقراء والنازحون وحدهم. والمطلوب اليوم، قبل أي بيان جديد، تدخل إنساني فوري يوفر الغذاء والدواء والمياه النظيفة والمأوى اللائق لنازحي عبس وحجة، على أن يقترن ذلك بضمانات موثقة ورقابة دولية صارمة تكفل وصول الإغاثة إلى مستحقيها من دون توظيف سياسي أو ابتزاز أو تعطيل.
أما على المستوى الاستراتيجي، فلا مخرج حقيقيًا من هذه الكارثة من دون ضغط دولي منسق يلزم جميع الأطراف اليمنية بترجمة خارطة الطريق إلى واقع ملموس، ويعيد للنازحين حقهم في الحياة والعودة والكرامة. فعبس اليوم ليست مخيمات منسية على هامش الحرب، وإنما اختبار مفتوح لضمير السياسة والمنظومة الإنسانية معًا. وحين يصبح الجوع جزءًا من يوميات الأطفال والنساء وكبار السن، وحين يتحول المرض وسوء التغذية إلى قدر يطارد الشريحة الأضعف، فإن الصمت لا يعود موقفًا محايدًا، بل يصبح شاهدًا ثقيلًا على عجز عالم يرى المأساة ولا يوقفها. وكما قال عيسى الراجحي من داخل مخيمات عبس في مايو 2026: “هنا يموت الناس ببطء، وعالم يتفرج”.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















