محمد خالد الحسيني – مآلات ميديا:
هل تستوعب واشنطن التحول العالمي الجديد أم تصطدم به؟ وهل تستطيع إيقاف تشكل عالم متعدد الأقطاب؟ أم أنها ستذهب نحو تثبيت هيمنتها بالقوة وفرض حضورها العسكري، ولو كلف الأمر مواجهة مفتوحة وغير معروفة النتائج؟
فزيارة بوتين إلى الصين .. جاءت هذه المرة لتؤكد بقوة أن العالم لم يعد كما كان، وأن مرحلة القطب الواحد تقترب تدريجياً من نهايتها.
فمنذ سنوات، والعالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى الدولية، لكن زيارة الرئيس الروسي إلى الصين ولقاءه بالرئيس شي جين بينغ جاءت هذه المرة محمّلة برسائل تتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين موسكو وبكين، لتؤكد أن العالم يتحرك بثبات نحو مرحلة جديدة عنوانها تعدد الأقطاب، وأن النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يعد قادراً على فرض معادلاته القديمة كما كان في السابق.
وسائل الإعلام العالمية تعاملت مع الزيارة باعتبارها حدثاً استراتيجياً بالغ الأهمية، ليس فقط بسبب حجم الاتفاقيات والتفاهمات التي أُبرمت، بل لأن توقيتها حمل دلالات سياسية واضحة، خصوصاً أنها جاءت بعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين.
هذا التزامن فتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول شكل المرحلة المقبلة، وحول طبيعة الصراع الدولي القائم بين مشروع الهيمنة الأحادية الأمريكية، وبين مشروع دولي جديد تسعى موسكو وبكين إلى تكريسه.
القمة الروسية الصينية في بكين لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل بدت وكأنها إعلان سياسي واضح عن ولادة ملامح نظام عالمي مختلف. البيان المشترك الذي صدر عقب اللقاء ركّز على ضرورة بناء عالم متعدد الأقطاب يقوم على التوازن والشراكة، ويرفض الهيمنة والانفراد بالقرار الدولي.
كما شدد الجانبان على ضرورة إصلاح منظومة العلاقات الدولية، بما يحقق العدالة والمساواة بين الدول، بعيداً عن سياسات الضغط والإملاء.
هذا الخطاب يعكس قناعة متنامية لدى قوى دولية كبرى بأن العالم لم يعد يحتمل استمرار نموذج السيطرة الأحادية الذي قادته الولايات المتحدة لعقود.
فالأزمات المتلاحقة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، مروراً بالأزمات الاقتصادية والطاقة، كلها دفعت كثيراً من الدول إلى إعادة التفكير في شكل النظام الدولي القائم، وفي مدى عدالته وقدرته على تحقيق الاستقرار.
بوتين وشي جين بينغ حرصا خلال اللقاء على إظهار مستوى غير مسبوق من التقارب السياسي والاستراتيجي.
فالعلاقات بين البلدين لم تعد مقتصرة على التعاون الاقتصادي والطاقة، بل أصبحت شراكة شاملة تشمل الأمن والسياسة والتنسيق الدولي.
وقد أكد بوتين أن العلاقات الروسية الصينية وصلت إلى مستوى غير مسبوق، فيما وصف شي العلاقة بين البلدين بأنها راسخة وغير قابلة للكسر.
ولعل الرسالة الأبرز في الزيارة كانت أن موسكو وبكين تريدان القول إنهما لم تعودا تتحركان ضمن هامش النظام الدولي الذي تقوده واشنطن، بل تعملان على صياغة واقع جديد يفرض نفسه تدريجياً على العالم. في المقابل، تبدو الولايات المتحدة مدركة لحجم هذا التحول.
فزيارة ترامب إلى الصين حملت بدورها إشارات واضحة على أن واشنطن لم تعد تتعامل مع بكين باعتبارها مجرد قوة صاعدة يمكن احتواؤها بسهولة، بل باعتبارها شريكاً وخصماً في آن واحد، يفرض نفسه على المشهد الدولي بقوة متزايدة. ويبدو أن الإدارة الأمريكية تحاول اليوم رسم حدود جديدة للتوازن مع الصين، عبر التفاهم أحياناً، والضغط أحياناً أخرى، بهدف الحفاظ على ما تبقى من نفوذها العالمي ومنع انتقال مركز الثقل الدولي بالكامل نحو الشرق.
غير أن زيارة بوتين إلى بكين بعد أيام من زيارة ترامب أربكت الكثير من الحسابات الأمريكية، وأعادت التأكيد على أن التقارب الروسي الصيني ليس تقارباً عابراً أو تكتيكياً، بل مشروع استراتيجي طويل الأمد يقوم على رؤية مشتركة لعالم جديد.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز التصعيد الأمريكي تجاه إيران كأحد أكثر الملفات حساسية. فواشنطن تواصل رفع سقف الضغوط والتهديدات، بالتزامن مع تعزيز حضورها العسكري في المنطقة، رغم أن المؤشرات السياسية توحي بأن العالم يتجه نحو التهدئة لا التصعيد.
كما أن موسكو وبكين شددتا خلال القمة على ضرورة وقف الحروب وخفض التوترات في الشرق الأوسط، لما لذلك من تأثير مباشر على أمن الطاقة والاستقرار العالمي.
وهنا يبرز السؤال الأهم .. إذا كانت الولايات المتحدة تدرك فعلاً أن العالم يتغير، وأن ميزان القوى لم يعد كما كان، فما دوافع هذا التصعيد؟ وهل هو مجرد ضغط سياسي لتحسين شروط التفاوض، أم أن واشنطن ما زالت تفكر بعقلية فرض الهيمنة بالقوة؟ التحركات الأمريكية الأخيرة، سواء عبر إعادة تموضع قواتها أو تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، توحي بأن واشنطن لم تحسم بعد خيارها النهائي.
فهي من جهة تدرك أن العالم يتجه نحو تعددية قطبية يصعب إيقافها، لكنها من جهة أخرى لا تبدو مستعدة بسهولة للتخلي عن موقعها كقوة مهيمنة على النظام الدولي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان العالم يتغير، بل إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة التكيف مع هذا التغيير.
هل ستقبل بالدخول في شراكة دولية متعددة الأقطاب تقوم على التوازن وتقاسم النفوذ، أم أنها ستذهب نحو مواجهة مفتوحة لمحاولة تثبيت هيمنتها القديمة؟ ما يبدو واضحاً حتى الآن أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة، وأن ملامح هذا التحول تتشكل بسرعة من خلال التحالفات الدولية الجديدة، والتغيرات الاقتصادية، وإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي. وزيارة بوتين إلى الصين لم تكن سوى محطة بارزة في هذا المسار، ورسالة سياسية تقول إن النظام الدولي القديم يتآكل تدريجياً، وإن العالم يتجه، نحو واقع جديد تتقاسم فيه القوى الكبرى إدارة المشهد العالمي، بعيداً عن الهيمنة المنفردة التي حكمت العقود الماضية.
إذن، ما يبدو واضحاً اليوم أن العالم دخل بالفعل مرحلة تاريخية جديدة، تتشكل ملامحها بسرعة عبر التحالفات الدولية الصاعدة، والتحولات الاقتصادية الكبرى، وإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي.
وبدت زيارة بوتين إلى الصين وكأنها إعلان سياسي جديد بأن النظام الدولي القديم يتآكل تدريجياً، وأن العالم يتجه، دون هوادة، نحو واقع تتقاسم فيه القوى الكبرى إدارة المشهد الدولي، بعيداً عن الهيمنة المنفردة التي حكمت العقود الماضية.
فهل تتكيف الولايات المتحدة مع هذا التحول وتعيد تموضعها داخل عالم متعدد الأقطاب، أم أنها ستختار المواجهة دفاعاً عن هيمنة تدرك هي نفسها أنها لم تعد مطلقة كما كانت؟
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



















