مآلات ميديا – مآلات محلية :
في إنجاز أمني جديد يعكس يقظة الأجهزة المختصة في محافظة صنعاء، تمكنت قوات النجدة ووحدة مكافحة التهريب من ضبط كميات من الأدوية والمستلزمات الطبية المهربة، إلى جانب مبيدات زراعية محظورة ومنتهية الصلاحية، في عمليتين نوعيتين بنقاط التفتيش التابعة للمحافظة، وفق ما نقلته صحيفة الثورة عن الإعلام الأمني اليمني . ولا تبدو هذه العملية مجرد ضبطية روتينية، بل رسالة واضحة بأن صنعاء تمضي في تعزيز حضور الدولة الرقابي عند نقاط العبور، حيث تتحول اليقظة الأمنية إلى خط دفاع أول عن صحة المواطن وسلامة السوق والغذاء.
في العملية الأولى، ضبط أفراد وحدة مكافحة التهريب سيارة “دباب” تحمل 16 كرتوناً من الأدوية واللصقات الطبية وأدوات التخدير الخاصة بالعمليات الجراحية، وقد جرى إخفاؤها بطريقة احترافية تحت ألواح طاقة شمسية وشاشات للتمويه، بينما كانت الشحنة بلا فواتير أو بيانات جمركية أو تصاريح رسمية من الهيئة العليا للأدوية . وتكشف هذه التفاصيل حجم التحدي الذي تواجهه صنعاء في ملاحقة شبكات لا تتردد في تحويل احتياجات الناس الطبية إلى ممر للربح غير المشروع، لكنها تكشف في الوقت نفسه قدرة الأجهزة الأمنية على قراءة أساليب التمويه وتفكيكها قبل أن تصل هذه المواد إلى غرف العمليات أو رفوف السوق.
ومن هنا تبرز أهمية الضبطية في بعدها الصحي، فالأدوية المهربة لا تمثل سلعة مجهولة المصدر فحسب، بل خطراً مباشراً حين تغيب عنها شروط الفحص والتخزين والنقل والتصريح. وقد وثقت دويتشه فيله واقعة عام 2022 في صنعاء تلقت فيها 29 حالة جرعة من دواء مهرب، تعرضت 19 منها لمضاعفات وتوفي 10 أطفال بحسب رواية وزارة الصحة في صنعاء، وهو ما يوضح لماذا تتعامل سلطات صنعاء مع ملف الدواء المهرب بوصفه قضية حياة لا قضية جمارك فقط.
وفي العملية الثانية، انتقلت المواجهة من الأمن الصحي إلى الأمن الغذائي، إذ ضبطت نقطة تفتيش مفاجئة في مديرية بلاد الروس 27 كرتوناً من المبيدات الزراعية الممنوعة و10 علب مبيدات منتهية الصلاحية منذ عام 2021 على متن شاحنة “قلاب” بلا لوحات معدنية، وكان سائقها لا يحمل أي وثائق قانونية للمركبة . وهذا الضبط يعزز سردية صنعاء القائلة إن مكافحة التهريب ليست عملاً مالياً أو إدارياً معزولاً، بل جزء من معركة أوسع لحماية التربة والمحاصيل والمستهلك من مواد قد تتسلل إلى الغذاء وتبقى آثارها أبعد من لحظة البيع والشراء.
وتزداد دلالة العملية حين توضع في سياق التحذيرات المتكررة من المبيدات المحظورة في اليمن، إذ تحدثت تقارير صحفية عن مخاطر مبيدات مجهولة أو محظورة على المحاصيل والأراضي الزراعية وسلامة الغذاء، ولا سيما عند استخدامها في القات والخضراوات والفواكه. ومن هذا المنظور، تبدو الإجراءات الأمنية في صنعاء محاولة عملية لإغلاق الثغرات التي تستغلها شبكات التهريب لإدخال مواد تتنكر في هيئة سلعة زراعية، لكنها تحمل تهديداً بيئياً وصحياً طويل المدى.
واللافت في العمليتين أن أساليب الإخفاء لم تعد بدائية، فالتهريب تحت ألواح الطاقة الشمسية والشاشات، أو عبر مركبات بلا لوحات ووثائق، يعكس انتقال شبكات التهريب إلى مستويات أعلى من التخطيط والتمويه. غير أن نجاح الأجهزة الأمنية في كشف هذه الأساليب يمنح صنعاء ورقة قوة في خطابها الداخلي، لأنها تقدم نفسها كسلطة لا تكتفي بإعلان مكافحة الفساد والتهريب، بل تضع نقاطها الأمنية في مواجهة مباشرة مع التجارة السوداء التي تستهدف حياة الناس ومعيشتهم.
وبإحالة ملف القضيتين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية، تكون صنعاء قد نقلت الواقعة من مرحلة الضبط الميداني إلى مسار المساءلة، وهو ما يمنح العملية بعدها المؤسسي لا الأمني فقط . فالقيمة الحقيقية لمثل هذه الضبطيات لا تقاس بعدد الكراتين المصادرة وحده، بل بقدرتها على كشف المسارات، وملاحقة المتورطين، وتجفيف المنافذ التي تسمح بعبور الدواء الفاسد والمبيد المحظور إلى المجتمع.
وهكذا تقدم صنعاء هذه الواقعة بوصفها دليلاً على أن معركتها مع التهريب ليست هامشية، بل تتصل مباشرة بحماية الإنسان من دواء بلا هوية، وحماية الأرض من مبيد بلا أمان، وحماية السوق من شبكات لا ترى في الأزمات إلا فرصة للربح. وبين دباب أخفى أدوات تخدير تحت ألواح شمسية، وشاحنة بلا لوحات حملت مبيدات محظورة، يتشكل مشهد أمني يقول إن الخطر قد يتخفى في أبسط الأشياء، لكن الدولة اليقظة قادرة على كشفه قبل أن يتحول إلى مأساة في جسد مريض أو سم في غذاء مواطن.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















