مآلات ميديا – تحقيقات :
حين أعلن رئيس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الأممي (أوتشا) توم فليتشر، في سبتمبر 2025، أن المنظومة الإنسانية الدولية باتت “ممولة بصورة غير كافية، ومثقلة فوق طاقتها، ومُستهدَفة في عملها” — وهو ما نقله موقع أخبار الأمم المتحدة الرسمي UN News في الستة عشر من ذلك الشهر — لم يكن يُطلق تحذيراً مجرداً تعتاد عليه البيانات الدبلوماسية المصقولة، بل كان يرفع الغطاء عن نظام بأسره يتآكل من الداخل بينما يتباهى بلافتات الرحمة على واجهاته. فبينما تُرسَّم خطط الإنقاذ وتُعقد قمم التشاور، يموت أطفال في شمال غزة وفي مخيمات شمال دارفور بالسودان جوعاً حقيقياً، لا بسبب شُح الغذاء في العالم، بل بسبب شُح الإرادة التي تُوصله إليهم — وهو ما وثّقته تقارير برنامج الغذاء العالمي WFP ومنظمة الصحة العالمية WHO المنشورة خلال النصف الأول من عام 2025.

الأرقام، حين تُقرأ بعيون باردة، لا تُخطئ الجريمة الكامنة فيها. وفقاً لإحصاءات مكتب أوتشا الأممي المنشورة عبر صفحته الرسمية على فيسبوك وعبر أخبار الأمم المتحدة، طالبت الأمم المتحدة وشركاؤها في عام 2025 بـ45.34 مليار دولار لمساعدة 181 مليون إنسان حول العالم، لكن ما وصل حتى أكتوبر من ذلك العام لم يتجاوز 9.57 مليار دولار، أي 21% فحسب مما طُلب. ولم تنتهِ الصدمة عند هذا الحد؛ ففي ديسمبر 2025 أوضح تقرير موقع The New Humanitarian المتخصص في الشؤون الإنسانية أن تمويل نداء ذلك العام لم يتجاوز في مجمله 12 مليار دولار، محققاً أدنى مستوى تمويلي في عقد كامل، مما دفع 25 مليون إنسان إضافي خارج نطاق أي مساعدة مقارنةً بالعام السابق. وقد أطلق موقع African News، الذي يرصد الشؤون الأفريقية والإنسانية، تقريراً في الثامن من ديسمبر 2025 كشف فيه أن الأمم المتحدة تسعى لـ33 مليار دولار لعام 2026، مؤكدةً أن الوضع يزداد سوءاً.

غير أن الصورة لا تكتمل بمجرد الحديث عن شُح التمويل الإجمالي؛ إذ يكمن الجوهر الأشد مرارةً في توزيعه الجائر وفق معادلة جيوسياسية صريحة تجعل الجغرافيا مُحدِّداً للحياة والموت. فوفقاً لقاعدة بيانات مؤشر الأزمات غير الممولة التي تُديرها منظمة Humanitarian Funding Forecast بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية، استقطبت الأزمة الأوكرانية وملف الأراضي الفلسطينية تمويلاً تجاوز 80% من الطلب المُعلَن خلال خمس سنوات متراكمة، في حين تختنق جمهورية الكونغو الديمقراطية بتغطية لم تتخطَّ 26% من احتياجاتها. وأشار المجلس النرويجي للاجئين NRC في تقرير صادر عنه عام 2022 إلى أنه في عام 2021 لم يحصل كل محتاج كونغولي إلا على ما يعادل دولاراً واحداً أسبوعياً، في حين سارع المانحون إلى تمويل النداء الأوكراني شبه كاملاً في يومه الأول. وأكد المجلس ذاته أن “العشر أزمات الأكثر إهمالاً في العالم تقع جميعها في القارة الأفريقية”.

ولو انتقلنا إلى قطاع غزة الذي يُجسّد أشد أشكال التناقض مأساويةً، لوجدنا أن المساعدات كانت تقبع حرفياً خلف الحدود، جاهزةً للتسليم، بينما تنتظر الأمهات وأطفالهن الموت في الداخل. ففي الثاني عشر من مايو 2025، أصدرت منظمة الصحة العالمية WHO بياناً رسمياً على موقعها الإلكتروني أكدت فيه أن 2.1 مليون شخص يرزحون تحت شُح غذائي مطوّل، وأن نصف مليون منهم في “وضع كارثي”، فيما توفي 57 طفلاً من عواقب سوء التغذية جراء استمرار حصار المساعدات الذي فرضه الكيان الصهيوني منذ مارس 2025. وفي الثاني والعشرين من أغسطس 2025، أعلنت منظمة الصحة العالمية على الموقع نفسه، وللمرة الأولى في تاريخ القطاع، إعلان المجاعة رسمياً في غزة، مؤكدةً أن أكثر من نصف مليون شخص يواجهون ما وصفته بـ”المجاعة والبؤس والموت”، وأن العدد كان من المتوقع أن يتجاوز 640,000 شخص بحلول نهاية سبتمبر. فضلاً عن ذلك، أفادت تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية OCHA OPT، المنشورة على موقعه الرسمي، بأن خبراء التغذية الدوليين توقعوا أن يعاني 132,000 طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد حتى منتصف عام 2026. وأشار رئيس مكتب أوتشا في غزة جوناثان ويتال في تصريح نقلته صحيفة Times of Israel إلى أن الآلية الجديدة لتوزيع الغذاء التي أُقرّت في منتصف 2025 “معظمها في الجنوب”، مُضيفاً: “هذا لا نعدّه عملاً إنسانياً؛ الإنسانية تعني تقديم المساعدة أينما كان الناس”.

وعلى البعد الآخر من الخريطة، يطوي السودان في صمت مهول ما يُقرّ الخبراء بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم، وفق التوصيف الذي أكده برنامج الغذاء العالمي WFP على صفحة طوارئ السودان في موقعه الرسمي: 34 مليون شخص، أي 65% من إجمالي السكان، يحتاجون مساعدات عاجلة. وفي تقرير أصدرته منظمة IRC الدولية لإنقاذ الطفولة بمناسبة اجتماع كبار المسؤولين حول السودان في بروكسل مارس 2025، كشفت أن نداء 2024 البالغ 2.7 مليار دولار لم يُموَّل إلا بأقل من ثلثه، وأن نداء 2025 البالغ 4.16 مليار دولار لم يتجاوز تمويله حاجز 6% في مارس من ذلك العام. وحين أُعلنت المجاعة رسمياً في مخيم الزمزم بشمال دارفور صيف 2024 وتمدّدت إلى مناطق أوسع في دارفور وكردفان، خرج أحد مسؤولي WFP — حسبما نقل بيان مشترك للمنظمات غير الحكومية في ديسمبر 2024 نشرته منظمة Mercy Corps على موقعها — بكلمات تُدين نظاماً بأسره: “حين يُعلن عن المجاعة فهذا يعني أننا تأخرنا… وقد خذلنا المجتمع الدولي”. ولا تزال WFP تُعلن حتى مارس 2026 على صفحة السودان الرسمية أنها تحتاج 610 ملايين دولار عاجلة لتمويل عملياتها حتى أغسطس.

والأشد إيلاماً أن المنظمات المحلية — الأقرب إلى الضحايا والأعمق معرفةً باحتياجاتهم — لا تحصل إلا على فُتات. فقد وثّق موقع The New Humanitarian في تحقيق نشره في مايو 2024 تحت عنوان “كيف تُجوّع قواعد تمويل الإدارة المنظمات الأهلية” أن المنظمات المحلية لا تتلقى مباشرةً إلا 0.4% من التمويل الإنساني الدولي، في حين تبتلع الوسطاء الدوليون الكبار الحصة الأكبر. وفي تقرير نشره موقع ReliefWeb بعنوان “خمسة أسباب لفشل أجندة التوطين في الماضي”، تبيّن أن الوعد الذي قُطع في القمة الإنسانية العالمية 2016 بتوجيه 25% من المساعدات مباشرةً إلى المنظمات المحلية لم يُنفَّذ قط، إذ يظل الواقع عند حدود الـ0.4% ذاتها. وأضاف باحثو جامعة Tufts وصفهم للحالة بـ”دورة المجاعة” المؤسسية، حيث أنظمة التمويل تُكافئ الهياكل الإدارية الضخمة وتُعاقب الجماعات الصغيرة المتجذّرة في الواقع.

ومن أعماق هذا الخلل البنيوي تطفو روائح الفساد الممنهج لتُكمل الصورة القاتمة. ففي تحقيق استقصائي مسرَّب نشره موقع The New Humanitarian في الثاني عشر من يونيو 2020 عن جمهورية الكونغو الديمقراطية تحت عنوان “مراجعة مُسرَّبة تكشف حجم الفساد والانتهاكات في قطاع المساعدات بالكونغو”، كُشف عن شبكة ابتزاز ممنهجة تضم موظفين من منظمات أممية ودولية كبرى يطلبون عمولات تصل إلى 30% من قيمة العقود مقابل منحها، وموظفين يُرشَوْن لإخفاء القضايا، فيما ينتقل المتورطون بين المنظمات دون محاسبة. وتابع الموقع ذاته بتقرير منفصل في اليوم التالي كشف فيه أن منظمة Mercy Corps وحدها خسرت 639,000 دولار في أشهر قليلة جراء عملية احتيال واحدة، وأن التقديرات الأشمل تشير إلى خسارة 6 ملايين دولار من منظمات متعددة على مدار عامين. وفي عام 2023، نقل موقع The New Humanitarian عن منظمة GiveDirectly إعلانها العلني اكتشاف أن موظفيها سرقوا 900,000 دولار من مساعدات نقدية كانت موجهة لمنكوبي الكونغو، وصرّح رئيسها الأسبق روري ستيوارت: “كميات هائلة من أموال المساعدات تختفي ولا نُبلَّغ عنها، ولا نكون شفافين بشأنها”.

وكأن كل هذا لم يكن كافياً، جاء قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مطلع 2025 بتفكيك وكالة USAID — وهي أكبر جهة مانحة في العالم — ليُزلزل الأساسات التي ارتكز عليها النظام لعقود. وفقاً لتقرير مركز التنمية العالمية CGDev المنشور في ديسمبر 2025 تحت عنوان “إنفاق USAID على مستوى الدول والقطاعات: ماذا حدث في السنة المالية 2025″، أُلغيت 83% من برامج الوكالة وانخفضت ميزانيتها الإنسانية من 8 مليارات دولار عام 2024 إلى 5.8 مليار عام 2025. وفي فبراير 2025، أوضح تقرير نشره موقع The New Humanitarian بعنوان “تيارات البيانات التي تدعم الاستجابة الإنسانية على وشك الانهيار” أن موقع FEWS NET — الذي أتاح للعالم طوال أربعة عقود تحذيرات مبكرة من أزمات الجوع قبل وقوعها — أُغلق بسبب تقليص التمويل الأمريكي. وعلى صعيد الإصلاح المنشود، نشرت مجلة The Global Observatory في أكتوبر 2025 تحليلاً قاطعاً خلص إلى أن “مراجعات لا تُحصى أثبتت أن مساعي الإصلاح السابقة فشلت لأنها تجنّبت تحدي البنية الحقيقية للنظام”، واصفةً المقترحات الأممية الجديدة بأنها “أشبه بعملية تجميل منها بإصلاح جوهري”.

في مشهد عام 2026، يقف العالم أمام أرقام تنشرها منظمة IRC الدولية في قائمة الطوارئ السنوية على موقعها: 239 مليون إنسان في حاجة إنسانية عاجلة، و117 مليون مُهجَّر قسراً، ونظام لا يُموَّل إلا بـ20% من احتياجاته الحقيقية. وتُحذّر IRC من “تباعد خطير: بينما تتصاعد الأزمات الإنسانية ينهار الدعم الدولي”، مستحضرةً حقيقةً محرجة مفادها أن الدول العشرين الأكثر هشاشةً تضم 89% من المحتاجين إنسانياً وتمثّل 12% فقط من سكان الأرض. المنظومة الإنسانية الدولية إذن ليست مجرد نظام فاشل في إيصال المساعدات؛ بل باتت — وفق شهادة عشرات التقارير والتحقيقات الاستقصائية الصادرة عن أوتشا وWFP وWHO والمجلس النرويجي للاجئين وThe New Humanitarian والمجلس الدولي للإغاثة — نظاماً يُديم الأزمات ويُعيد إنتاجها، يُهدر الموارد ويُقنّن الإهمال، ويتحدث عن الضحايا بينما يخدم نفسه؛ في فضيحة بنيوية صامتة لن يُسمع صراخها إلا حين يفوت أوان الإنقاذ.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.