م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا:
تكشف بعض الحالات الإدارية الصغيرة، في ظاهرها، عن اختلالات مؤسسية كبيرة في عمق الجهاز الحكومي. ومن هذه الحالات معاملة إطلاق راتب موظف في جهة حكومية، توقف راتبه لمدة تقارب عامًا أو أكثر، رغم وجود مذكرة رسمية سابقة بإطلاقه، ثم صدور أمر إطلاق الراتب غير أن صدور الأمر لم يكن نهاية المعاناة، وإنما بداية لمسار إداري جديد، اتضح فيه أن أمر الإطلاق لم يصل بعد إلى الجهة المختصة بالصرف، رغم مرور عدة أشهر على صدوره. وعندما يسأل صاحب المعاملة عن سبب التأخير، لا يجد إجابة واضحة سوى عبارات عامة من قبيل: “عادي يأخذ له وقت”، أو “ما ندري”.
هذه الحالة، رغم بساطتها الظاهرية، تمثل نموذجًا مصغرًا لأزمة الإدارة العامة في بيئات تتضخم فيها الإجراءات، وتضعف فيها المساءلة، وتتحول فيها الخدمة العامة من حق منظم إلى رحلة شاقة داخل دهاليز البيروقراطية. فالراتب هنا ليس امتيازًا ولا منحة شخصية، وإنما حق وظيفي ومعيشي، والتأخير في صرفه لا يمس الموظف وحده، بل يمس أسرته وكرامته واستقراره، ويكشف في الوقت ذاته عن خلل في قدرة المؤسسة العامة على تحويل القرار الإداري إلى أثر تنفيذي ملموس.

من منظور الإدارة العامة، لا تكمن المشكلة فقط في توقف الراتب، ولا في طول مدة المتابعة، بل في الفجوة الواسعة بين صدور القرار وتنفيذه. فقد صدر أمر إطلاق الراتب رسميًا، لكنه ظل عالقًا في سلسلة إدارية غير واضحة، لا يعرف صاحب المعاملة أين وصلت، ولا من استلمها، ولا من المسؤول عن تأخيرها، ولا متى ستتحول إلى صرف فعلي. وهذه الفجوة بين القرار والتنفيذ تعد من أبرز مظاهر الضعف المؤسسي، لأن الإدارة العامة لا تقاس بقدرتها على إصدار المذكرات والتوجيهات فقط، وإنما بقدرتها على إنفاذها بكفاءة وعدالة وفي زمن معقول.

في الأصل، وُجدت البيروقراطية لتنظيم العمل الإداري، وضمان العدالة، ومنع العشوائية، وتحديد الاختصاصات، وتوثيق الإجراءات. غير أن البيروقراطية حين تفقد عقلانيتها تتحول من أداة تنظيم إلى عبء ثقيل على الناس. ففي هذه الحالة لم تعد الإجراءات وسيلة لحماية الحق، وإنما أصبحت سببًا في تأخيره. ولم تعد المذكرة الرسمية كافية لتحريك المعاملة، ولا أمر الإطلاق كافيًا لضمان الصرف، بل أصبح صاحب الحق مطالبًا بمتابعة ما بعد القرار، وكأن واجبه لا ينتهي عند تقديم الوثائق، وإنما يبدأ من جديد بعد كل توقيع وختم.

وتزداد الإشكالية حين تدخل المعاملة في مسار ما يسمى “خدمة الجمهور”. فمن حيث المبدأ، تمثل خدمة الجمهور إحدى أدوات الإصلاح الإداري الحديثة، إذ يفترض أن تختصر التواصل بين المواطن أو الموظف وبين المؤسسة، وتمنع الاحتكاك العشوائي، وتحد من الوساطات والرشاوى الصغيرة، وتوفر نقطة استقبال ومتابعة واضحة. غير أن التجربة العملية، كما تعكسها هذه الحالة، تشير إلى أن خدمة الجمهور قد تتحول أحيانًا إلى واجهة شكلية تستقبل المعاملات ولا تملك سلطة حقيقية لإنجازها، وتعطي أرقامًا للمتابعة دون أن توفر نظامًا فعالًا للتتبع، وتَعِد بالاتصال دون وجود آلية ملزمة لإبلاغ صاحب المعاملة بمصير طلبه.

وهنا تظهر المفارقة الإدارية. فقد جاءت خدمة الجمهور لمحاربة الفساد الصغير الناتج عن المتابعة الشخصية أو دفع مبالغ بسيطة لبعض الموظفين لتسريع المعاملة، لكنها لم تعالج السبب الأصلي الذي ينتج هذا السلوك، وهو بطء النظام الرسمي وتعقيده وغياب المسار الواضح. عندما يكون النظام الإداري سريعًا وشفافًا، لا يحتاج المواطن إلى وسيط أو دافع غير رسمي. أما حين يصبح الطريق الرسمي طويلًا وغامضًا، فإن الناس يبحثون تلقائيًا عن طرق بديلة، سواء عبر العلاقات الشخصية، أو الوساطات، أو الاتصالات غير الرسمية. وبذلك لا يؤدي الإصلاح الشكلي إلى القضاء على الفساد، وإنما قد يدفعه إلى مستوى أكثر خفاءً وانتقائية.

إن أخطر ما تكشفه هذه الحالة هو غياب المساءلة الإدارية. فحين تمر أربعة أشهر على صدور أمر إطلاق الراتب دون وصوله إلى الجهة المختصة، ثم لا يجد صاحب المعاملة جهة محددة تجيب بوضوح عن سبب التأخير، فإننا لا نكون أمام تأخير عادي، بل أمام ضعف في نظام المسؤولية. الإدارة الرشيدة تفترض أن لكل معاملة مسارًا، ولكل مسار مسؤولًا، ولكل إجراء مدة زمنية، ولكل تأخير سببًا موثقًا. أما عندما تصبح الإجابة “ما ندري”، فإن المعاملة تخرج من منطق الإدارة المنظمة إلى منطق الفوضى الإجرائية.

كما تعكس الحالة ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية. فهناك جهة أصدرت مذكرة، وجهة أصدرت أمر الإطلاق، وجهة أخرى يفترض أن تصرف الراتب، وبين هذه الجهات تنتقل الوثائق ببطء شديد، وربما تضيع في مسارات ورقية أو إدارية غير مترابطة. وهذا يعكس غياب التكامل المؤسسي، وضعف أنظمة تبادل المعلومات، والاعتماد على إجراءات تقليدية لا تتناسب مع أبسط متطلبات الإدارة الحديثة. ففي زمن الإدارة الإلكترونية، لا ينبغي أن يحتاج أمر إداري صادر منذ أشهر إلى رحلة طويلة حتى يصل إلى الجهة المنفذة، ولا ينبغي أن يظل صاحب الحق هو الوسيط العملي بين مؤسسات الدولة المختلفة.

ومن زاوية العدالة الإدارية، تبدو الحالة أكثر إيلامًا. فالراتب محل المعاملة مبلغ محدود جدًا، لا يتجاوز عشرين ألف ريال كل ثلاثة أشهر، ومع ذلك فإن كلفة متابعة المعاملة من وقت وجهد ومواصلات واتصالات وقلق قد تتجاوز قيمة الراتب نفسه لسنوات. وهذا يمثل خللًا عميقًا في اقتصاد الخدمة العامة، حيث تصبح كلفة الوصول إلى الحق أعلى من الحق ذاته. وعندما يصل المواطن أو الموظف إلى هذه المرحلة، فإنه لا يشعر بأن المؤسسة العامة تحميه، بل يشعر أنها تستنزفه.

ويمكن تفسير هذه الحالة من خلال عدد من مداخل الإدارة العامة. فمن منظور البيروقراطية التقليدية، تظهر المشكلة في تضخم الإجراءات وانفصالها عن الغاية الأساسية، بحيث تصبح المحافظة على المسار الإداري أهم من تحقيق النتيجة. ومن منظور الإدارة العامة الجديدة، يظهر الخلل في غياب مؤشرات الأداء، مثل مدة إنجاز المعاملة، ونسبة المعاملات المتأخرة، ومستوى رضا المستفيدين، وعدد الشكاوى المغلقة فعليًا. أما من منظور الحوكمة الرشيدة، فتبرز المشكلة في ضعف الشفافية والمساءلة والاستجابة والكفاءة. ومن منظور العدالة التنظيمية، فإن تأخير الراتب دون تفسير واضح يمثل إخلالًا بالعدالة الإجرائية، لأن صاحب الحق لا يعرف لماذا تأخر حقه، ولا كيف يعترض، ولا إلى من يصعد شكواه.

إن الحلول الجذرية لهذه الحالة لا تبدأ من توجيه اللوم إلى موظف بعينه، ولا من إلغاء خدمة الجمهور، ولا من مطالبة الناس بالصبر، وإنما تبدأ من إعادة تصميم النظام الإداري نفسه. فخدمة الجمهور يجب ألا تكون مجرد مكتب استقبال، بل يجب أن تتحول إلى مركز متابعة وإنجاز يمتلك صلاحية تتبع المعاملة، ومخاطبة الإدارات الداخلية، وإلزامها بالرد خلال مدد محددة. كما يجب أن يكون لكل معاملة رقم تتبع حقيقي يوضح تاريخ الاستلام، والجهة المحال إليها، والموظف المسؤول، والمرحلة الحالية، والمدة المتبقية، وأسباب التأخير إن وجدت.

ومن الحلول الجوهرية أيضًا وضع مدد زمنية ملزمة لكل نوع من المعاملات. فمعاملة إطلاق راتب، مثلًا، ينبغي أن تكون لها مدة معيارية واضحة، كأن تنجز خلال عشرة أو خمسة عشر يوم عمل من تاريخ صدور الأمر. وإذا تجاوزت هذه المدة، تنتقل تلقائيًا إلى مستوى إشرافي أعلى. وبهذا لا يظل صاحب المعاملة مضطرًا للمراجعة المتكررة، ولا يصبح الزمن مفتوحًا بلا نهاية.

كما ينبغي اعتماد نظام إحالة إلكتروني أو شبه إلكتروني بين الجهات، حتى في حال ضعف الإمكانات التقنية. فالمهم ليس تعقيد النظام، وإنما وجود سجل واضح لحركة المعاملة: متى صدرت، متى أرسلت، من استلمها، ما الإجراء المطلوب، ومتى أنجز. وفي حال تعذر التحول الرقمي الكامل، يمكن البدء بسجل موحد ومختوم ومتاح للمراجعة، بحيث لا تضيع المعاملة بين المكاتب، ولا تبقى مسؤوليتها مبهمة.

ومن الضروري كذلك تفعيل آلية شكاوى مستقلة وفعالة. فصاحب المعاملة يجب أن يمتلك حق التصعيد إذا تأخرت معاملته عن المدة المحددة. ويجب أن تكون الشكوى نفسها خاضعة لمدة إنجاز، لا أن تتحول إلى معاملة جديدة تحتاج إلى متابعة أخرى. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بكثرة النوافذ، وإنما بوجود مسار واضح للإنصاف عندما يتعطل المسار العادي.

ويضاف إلى ذلك ضرورة ربط أداء الإدارات والموظفين بمؤشرات خدمة فعلية. فالمؤسسة التي تنجز معاملات الناس بسرعة وشفافية يجب أن يظهر ذلك في تقييمها، والإدارة التي تتراكم لديها المعاملات دون مبرر يجب أن تخضع للمساءلة. فلا معنى لإصلاح إداري لا يقيس الزمن، ولا يحاسب على التأخير، ولا يفرق بين الموظف المنتج والموظف الذي يراكم الملفات.

أما على المستوى الثقافي والمؤسسي، فالحاجة ماسة إلى تغيير النظرة إلى المواطن أو الموظف صاحب المعاملة. فهو ليس مراجعًا مزعجًا، ولا طالب خدمة ثانوية، وإنما صاحب حق. والراتب، خصوصًا، يجب أن يعامل كأولوية معيشية لا كملف إداري عادي. فكل يوم تأخير في راتب موظف محدود الدخل يعني أثرًا مباشرًا على الغذاء، والمواصلات، والعلاج، والالتزامات الأسرية. الإدارة العامة التي لا ترى هذه الأبعاد الإنسانية تتحول إلى جهاز جامد، يفصل الورق عن حياة الناس.

إن هذه الحالة تقدم درسًا بالغ الأهمية: الإصلاح الإداري لا يعني إضافة نافذة جديدة باسم خدمة الجمهور، ولا يعني منع الناس من متابعة معاملاتهم فقط، وإنما يعني بناء نظام عادل وسريع وشفاف يجعل المتابعة الاستثنائية غير ضرورية. فإذا بقيت المعاملة تحتاج إلى واسطة كي تتحرك، فهذا يعني أن النظام لم يُصلح. وإذا كان صاحب الحق لا يعرف أين وصلت معاملته، فهذا يعني أن الشفافية غائبة. وإذا لم يتحمل أحد مسؤولية التأخير، فهذا يعني أن المساءلة معطلة.

وخلاصة القول إن أزمة هذه المعاملة ليست أزمة راتب متأخر فحسب، بل هي مرآة لأزمة أعمق في الإدارة العامة، حيث تتراكم الإجراءات على حساب النتائج، وتتعدد المكاتب دون وضوح المسؤولية، وتُرفع شعارات محاربة الفساد دون معالجة جذوره الإدارية. والحل الجذري يبدأ من تحويل خدمة الجمهور من بوابة انتظار إلى بوابة إنجاز، ومن تحويل القرار الإداري من ورقة متداولة إلى التزام تنفيذي، ومن التعامل مع الوقت بوصفه موردًا عامًا لا يجوز إهداره. فالإدارة العامة الناجحة لا تقاس بعدد النماذج والمذكرات والأختام، وإنما بقدرتها على إيصال الحق إلى صاحبه في الوقت المناسب، وبأقل كلفة، وبأعلى قدر من الكرامة والعدالة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.