م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا:
في لحظات التحولات الكبرى التي تمر بها الأمم، لا يكون السؤال الأعمق: ماذا نريد أن نبني؟ وإنما: بمن سنبني؟ فالأوطان لا تنهض بالحجارة وحدها، ولا تستعيد قوتها بالشعارات والخطب، وإنما تُصنع بسواعد أبنائها، وبعقولهم، وبكرامتهم، وبإيمانهم بأنهم شركاء في المصير لا أدوات تُستخدم ثم تُهمل. وكل مشروع وطني يغفل هذه الحقيقة يزرع في داخله بذرة ضعفه، ولو بدا من الخارج صلباً ومتماسكاً.
من منظور السياسات العامة، لا تُقاس قوة الدولة أو الجماعة أو المؤسسة بما تعلنه من أهداف، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الأهداف إلى قرارات عادلة، ومؤسسات فعالة، ونتائج ملموسة في حياة الناس. فالسياسة العامة في جوهرها ليست خطاباً عن المستقبل، وإنما هي اختيار عملي: من نُمكّن؟ من نُقصي؟ من نكافئ؟ من نُهمّش؟ وكيف نوزع الفرص والموارد والاعتراف داخل المجتمع والمؤسسات؟ ولهذا، فإن تكسير الكفاءات ليس خطأً إدارياً عابراً، وإنما انحراف عميق في بنية السياسة العامة، لأنه يضرب المورد الأهم في أي مشروع: الإنسان القادر على التفكير والعمل والإنجاز.
أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي جماعة أو سلطة أو حركة تسعى للنهوض، هو أن تبدأ بتكسير أدواتها البشرية من الداخل؛ فتُضعف أصحاب الكفاءة، وتُحبط أهل المبادرة، وتُقصي أصحاب الرأي والخبرة، وتفتح الطريق لمن يجيدون الطاعة الصامتة أكثر مما يجيدون العمل والبناء. وهنا تفسر نظرية رأس المال البشري الأمر بوضوح: الإنسان المؤهل ليس رقماً في كشف إداري، وإنما استثمار متراكم من المعرفة والخبرة والمهارة والتجربة. وحين يُهدر هذا الاستثمار، لا تخسر المؤسسة شخصاً فقط، بل تخسر سنوات من التعلم، وشبكة من العلاقات، وقدرة على حل المشكلات، وذاكرة عملية لا تُشترى بسهولة.
ومن زاوية الإدارة العامة، فإن المؤسسة التي تُقصي الكفاءة وتُقدّم الولاء الضيق على الجدارة تدخل تدريجياً في ما يمكن تسميته بالانحراف البيروقراطي. فالبيروقراطية الرشيدة، كما فهمتها الإدارة العامة الحديثة، لا تعني الجمود ولا كثرة الإجراءات، وإنما تعني وجود قواعد عادلة، ومسؤوليات واضحة، وفرص قائمة على الكفاءة، ومساءلة لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تصحح الأداء. أما حين تتحول الإدارة إلى شبكة مغلقة من الولاءات والحسابات الصغيرة، فإنها تفقد وظيفتها الأصلية، وتصبح أداة لإنتاج الخوف بدل إنتاج الخدمة، وإعادة تدوير الضعف بدل بناء القدرة.
فالإنسان الذي تُهدر قيمته لا يختفي أثره من المشهد، والعقل الذي يُهمّش لا يغادر دون كلفة، والطاقة التي تُكبح لا تتحول إلى فراغ بسيط، وإنما تترك ندبة عميقة في الجسد الوطني. ومع مرور الوقت، يكبر هذا الفراغ حتى يصبح أكبر من قدرة أي خطاب على تغطيته. تتعثر المشاريع قبل أن تبلغ غايتها، لا لأن الفكرة ضعيفة بالضرورة، وإنما لأن حامليها تعرضوا للاستنزاف والإقصاء والكسر. وهنا تقدم نظرية النظم تفسيراً بالغ الأهمية: أي خلل في جزء من النظام ينعكس على بقية أجزائه. فإذا أُضعفت الكفاءات في الإدارة، تراجعت جودة القرار، وإذا تراجعت جودة القرار، ضعفت السياسات، وإذا ضعفت السياسات، تدهورت الخدمات، وإذا تدهورت الخدمات، اهتزت الثقة العامة، وحين تهتز الثقة تصبح الدولة أو المؤسسة أقل قدرة على الحشد والإنجاز والصمود.
القوة الحقيقية لأي كيان لا تُقاس بعدد شعاراته، ولا بضجيج ادعاءاته، ولا بقدرته على إظهار الصلابة في العلن، وإنما تُقاس بقدرته على حماية نخبه البشرية، وتنمية كفاءاته، وفتح الطريق أمام أصحاب العقول والهمم. فالصقور لا تُذبح بالسيوف وحدها، وقد تُقتل بالإهمال حين لا يُلتفت إليها، ولا تُمنح الفضاء الذي يليق بقدرتها على التحليق. والفرسان لا يسقطون دائماً في ساحات القتال، فقد يُدفعون إلى الهامش في صمت، حين تُغلق الأبواب أمامهم، ويُنظر إلى خبرتهم كعبء، وإلى رأيهم كإزعاج، وإلى استقلالهم كتهديد.
وفي ضوء نظرية الجدارة في الإدارة العامة، فإن أخطر ما يصيب المؤسسات هو أن تفقد قدرتها على التمييز بين صاحب الكفاءة وصاحب القرب، وبين من يضيف قيمة حقيقية ومن يكتفي بترديد ما يُطلب منه. فالجدارة ليست ترفاً إدارياً، وإنما شرط من شروط بقاء المؤسسات. وحين تُكافأ الطاعة أكثر من الإنجاز، ويُرفع المتردد على حساب المبادر، ويُقرّب الضعيف لأنه أقل إزعاجاً من القوي، فإن المؤسسة لا تحافظ على استقرارها كما قد يتوهم البعض، وإنما تزرع عجزها القادم بيدها.
وهنا تظهر المفارقة القاسية؛ فكثير من المشاريع التي تتحدث باسم القوة تمارس في داخلها ما يصنع الضعف. تضيق برجالها، وتختزل الولاء في الصمت، وتضع الكفاءة خلف الاعتبارات الصغيرة، وتستبدل روح المبادرة بثقافة الخوف والحذر. وفي بيئة كهذه، لا تنمو العزائم الكبيرة، ولا تزدهر العقول الحرة، ولا يتقدم أصحاب الرأي الجريء. يبقى في الواجهة من يُتقن الانحناء، ويتراجع أو يُستنزف من يحملون القدرة على التجديد وصناعة التحول.
ومن منظور نظرية الاختيار العام، يمكن فهم جانب آخر من المشكلة؛ إذ قد تتحول بعض المؤسسات إلى ساحات تبحث فيها النخب الضيقة عن حماية مصالحها ومواقعها، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة. وحين يحدث هذا، تُصاغ القرارات أحياناً لا لخدمة المشروع الأكبر، وإنما لحماية دوائر النفوذ الصغيرة. هنا يصبح إقصاء الكفاءة مفهوماً من زاوية المصلحة الضيقة، لكنه كارثي من زاوية الدولة والمجتمع. فالشخص الكفؤ قد يطرح سؤالاً، وقد يكشف خللاً، وقد ينافس على موقع، وقد يقترح مساراً أكثر فعالية. لذلك تخشاه البيئات الضعيفة، بينما تحتضنه المؤسسات الواثقة من نفسها.
إن المعارك الكبرى لا تُخاض برجال محبطين، ولا تُدار بعقول مقصاة، ولا تُربح بجماعات فقدت الثقة في ذاتها. الطريق الطويل يحتاج إلى رجال ثابتين من الداخل، لا إلى أشخاص أنهكهم الشعور بالظلم والتجاهل. والمراحل الشديدة لا تُدار بمن حُرموا من المشاركة، وإنما بعقول حرة، وقلوب مطمئنة، وطاقات تشعر أن لها مكاناً وقيمة ودوراً. ولهذا، فإن الحفاظ على الإنسان ليس ترفاً أخلاقياً، ولا خطاباً مثالياً ناعماً، وإنما ضرورة استراتيجية تمس جوهر البقاء والقوة والقدرة على الاستمرار.
وتذهب نظريات الحوكمة الحديثة إلى أن جودة الحكم لا تنفصل عن جودة إدارة الناس. فالمؤسسات التي تحترم الشفافية، وتوزع الفرص بعدالة، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمنح أصحاب الخبرة مجالاً للتأثير، تكون أكثر قدرة على تصحيح أخطائها والتكيف مع الأزمات. أما المؤسسات التي تخاف النقد، وتتعامل مع الرأي المختلف بوصفه خطراً، وتغلق قنوات المشاركة، فإنها تفقد أهم آلية من آليات التعلم المؤسسي. وحين تتوقف المؤسسة عن التعلم، تبدأ في تكرار أخطائها بثقة أكبر، وتظن أن المشكلة في الظروف، بينما يكون أصل المشكلة في طريقة إدارتها لنفسها ولرجالها.
المشكلة لا تقف عند خسارة الرجال الأكفاء، وإنما تمتد إلى ما هو أخطر: كسر روح المسؤولية والمبادرة والكرامة في داخلهم. وحين تُحارب هذه القيم داخل أي كيان، يتحول تدريجياً إلى جسد يتحرك بلا روح؛ يصدر القرارات، ويرفع الشعارات، ويمتلك الأدوات، لكنه يفقد الحيوية التي تمنحه القدرة على التقدم والانتصار. فالنصر في جوهره ليس تفوقاً مادياً فحسب، وإنما هو ثمرة انسجام عميق بين الفكرة والإنسان الذي يحملها، وبين الهدف والرجال القادرين على الوصول إليه.
ومن زاوية نظرية بناء القدرات المؤسسية، فإن معالجة هذه المشكلة لا تبدأ بخطاب تعبوي جديد، ولا بتغيير أسماء المناصب، ولا بإصدار لوائح أكثر صرامة، وإنما تبدأ بإعادة الاعتبار إلى الإنسان داخل المؤسسة. وهذا يتطلب سياسات واضحة لاختيار القيادات على أساس الكفاءة والنزاهة، وأنظمة عادلة لتقييم الأداء، ومسارات حقيقية للترقي، وآليات لحماية أصحاب الرأي المهني من الانتقام والتهميش، وبيئة تسمح بالنقد المسؤول قبل أن تتحول الأخطاء إلى كوارث. فالمؤسسة التي لا تسمع إلا ما يرضيها، تفقد القدرة على رؤية ما يهددها.
ولهذا، فإن أي مشروع يريد أن يبقى قوياً عليه أن يبدأ من قاعدة واضحة: صيانة الإنسان أولاً. لا عبر الكلمات المعلنة، وإنما عبر ممارسات حقيقية تُنصف الكفاءة، وتحترم الخبرة، وتكافئ المبادرة، وتفتح المجال أمام الطاقات لتعمل وتبدع وتتحمل المسؤولية. فكل رجل يتم الحفاظ عليه هو رصيد مضاف إلى قوة المشروع، وكل رجل يُكسر هو خسارة لا تُعوّض بسهولة، حتى وإن لم تظهر آثارها في اللحظة نفسها.
إن الطريق إلى الأهداف الكبرى لا يمر عبر الموارد وحدها، ولا عبر الهياكل والشعارات والتنظيمات، وإنما يمر أولاً عبر الإنسان. فإذا لم نكن أوفياء لرجالنا، عادلين في تعاملنا، حكماء في إدارة طاقاتنا، شجعاناً في حماية الكفاءة من التهميش، فلن نصل مهما امتلكنا من أدوات. فالتاريخ لم يكتب انتصاراته لمن امتلكوا الإمكانات فقط، وإنما لمن عرفوا كيف يحافظون على رجالهم، وكيف يصنعون منهم قوة واعية، كريمة، صلبة، لا تُكسر عند أول اختبار.
والخلاصة التي تقولها السياسات العامة والإدارة العامة معاً، بلغة أبسط من كل النظريات، هي أن الدولة أو المؤسسة التي تكسر كفاءاتها تهزم نفسها قبل أن يهزمها خصومها. فالخصم الخارجي قد يضغط ويحاصر ويستنزف، لكن الانهيار الأخطر يبدأ حين يتحول الداخل إلى بيئة طاردة للعقول، قامعة للمبادرة، ومكافئة للضعف. عندها لا تحتاج المشاريع الكبرى إلى عدو كي تتراجع؛ يكفي أن تفقد رجالها، أو أن تبقيهم أحياء في مواقعهم، مكسورين في أرواحهم.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















