مآلات ميديا – مآلات محلية :
حضرموت تتحول تدريجيا إلى مسرح تنافس إستراتيجي سعودي–إماراتي عنوانه النفوذ والنفط والموانئ، وعمقه إعادة رسم خرائط القوة في شرق اليمن، ضمن ما يمكن وصفه بـ”حرب باردة” تتخذ أشكالا أمنية وعسكرية واقتصادية متداخلة. وقد كشف تقرير بعنوان The Saudi Arabia-UAE ‘cold war’ in Yemen، صادر عن مركز الأبحاث الأوروبي «GIS Reports» في 21–22 أبريل 2026، أن محافظة حضرموت تحولت إلى مركز للتنافس بين السعودية والإمارات، وأن العلاقة بين الطرفين انتقلت من شراكة عسكرية إلى صراع نفوذ في المناطق المحررة، خاصة جنوب وشرق اليمن، مع التحذير من أن استمرار هذا المسار قد يهدد استقرار حضرموت وشرق اليمن برمّته.
في شرق اليمن، حيث يمتد الرمل على مدى البصر ويعانق بحرُ العرب شواطئ حضرموت الطويلة، تتشكّل اليوم واحدة من أكثر اللوحات الجيوسياسية تعقيدا في المنطقة، إذ تتقاطع خيوط النفط والموانئ مع خرائط النفوذ العسكري بين السعودية والإمارات، لتحوَّل المحافظة الهادئة تاريخيا إلى ساحة “حرب باردة” تتحدد على وقعها ملامح مستقبل اليمن وإمدادات الطاقة الإقليمية معا. منذ سنوات، دخلت الدولتان إلى اليمن تحت راية تحالف واحد، لكن مسار الأحداث جرّد تلك الراية من وحدتها، فتحوّلت الشراكة العسكرية إلى سباق نفوذ مكتوم تبرز ملامحه اليوم في المكلا ووادي حضرموت والمهرة، حيث لا تتواجه الرياض وأبوظبي مباشرة بقدر ما تتقاطع مصالحهما عبر تشكيلات محلية وقوى مسلحة ومشروعات لوجستية متنافسة.
في قلب هذا المشهد، تظهر حضرموت بوصفها “الجائزة الكبرى في شرق اليمن”، ليس فقط لأنها تنتج الجزء الأكبر من النفط اليمني وتحتضن بنية تحتية للتصدير، بل لأنها تطل على بحر العرب وتفتح، نظريا، ممرّا استراتيجيا لأنابيب نفط قادرة على تجاوز مأزق المضايق البحرية التي طالما شكلت عنق زجاجة لتدفق الطاقة من الخليج إلى العالم. وهكذا، يغدو الصراع على الموانئ وخطوط التصدير في المكلا وساحل حضرموت أكثر من مجرد تنافس محلي؛ إنه صراع على موقع في خارطة الطاقة العالمية، حيث تسعى السعودية لتأمين منفذ مباشر نحو المحيط عبر مشاريع أنابيب وخطط تطوير موانئ على بحر العرب، في حين تتوجس الإمارات من أي مسار جديد قد يقلل مركزية موانئها الممتدة من الخليج إلى القرن الأفريقي.
على الأرض، تتجلى هذه الحسابات الكبرى في تفاصيل يومية شديدة المحلية؛ فالمكلا، التي كانت قبل سنوات مسرحا لتحولات أمنية كبيرة، باتت اليوم تعيش بين نفَسين: نفَس قوات الدولة المدعومة سعوديا، ممثلة في تشكيلات مثل “درع الوطن” التي بدأت الانتشار في شرق اليمن والعمل تحت مظلة الحكومة المعترف بها، ونفَس قوات ومجالس محلية وانفصالية حظيت بدعم إماراتي، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي وتشكيلات أخرى نشطت في حضرموت والمهرة. وفي وادي حضرموت، جاءت إعلانات استعادة السيطرة وانتشار القوات الحكومية لتكرس خطابا يرى في الدولة مرجعا وحيدا للسلاح والنفوذ، في حين دأبت قوى محلية أخرى، بعضها قبلي وبعضها عسكري، على التذكير بأن حضرموت ليست مجرد ورقة على طاولة التفاوض الإقليمي، بل أرض لها مجتمعها وتاريخها وطموحها في إدارة مواردها بعيدا عن صفقات اللحظة.
إلى جانب هذه القوى، برزت تشكيلات مثل “حلف قبائل حضرموت” التي ترفع شعار حماية الأرض والثروة من “القادمين من خارج المحافظة”، مستثمرة إرثا تاريخيا من الحس الهوياتي الحضرمي الذي رصدته تقارير صحفية وتحليلية متعددة في السنوات الأخيرة، وهي تقارير تشير إلى تصاعد دور الكيانات القبلية في شرق اليمن بوصفها فاعلا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة جديدة. لكن هذا الحس نفسه أصبح عرضة للاستقطاب؛ فكل طرف يحاول توظيفه لصالح رؤيته، سواء كانت رؤية انفصالية جنوبية يدعمها جزء من المجلس الانتقالي، أو مشروع دولة مركزية تحاول الحكومة اليمنية إعادة بنائه بدعم سعودي، أو أجندة إقليمية تبحث عن موطئ قدم على شاطئ بحر العرب عبر شراكات مع القوى المحلية.
في الخلفية، تمتد خطوط وهمية لأنابيب نفط لم تُنجز بعد لكنها حاضرة بقوة في حسابات العواصم؛ مشاريع تحدثت عنها تقارير بحثية وإعلامية، من بينها تقرير «GIS Reports» المشار إليه، إلى جانب دراسات أخرى أشارت إلى مسار محتمل يبدأ من عمق الأراضي السعودية، يمر عبر الخرخير في تخوم حضرموت، وينتهي عند ميناء نشطون في المهرة على بحر العرب، بما يعيد صياغة الجغرافيا بوصفها امتدادا لمصالح الطاقة أكثر منها حدودا لدولة ذات سيادة مكتملة الأركان. وفي هذا السياق، تعتمد هذه المادة على تقرير مركز الأبحاث الأوروبي «GIS Reports» بعنوان: The Saudi Arabia-UAE ‘cold war’ in Yemen، المنشور في 21–22 أبريل 2026، إضافة إلى تقارير وتحليلات منشورة في منصات مثل «العربي الجديد» بتاريخ 3 يناير 2026، وتقارير تحليلية في معاهد بحثية غربية وعربية تناولت تصاعد التنافس السعودي–الإماراتي في اليمن.
ومع كل خطوة في اتجاه تفعيل هذه المشاريع، تتزايد حساسية الإمارات التي وثّقتها تحليلات صادرة عن مراكز بحثية غربية وعربية، والتي بيّنت كيف بنت أبوظبي خلال العقدين الماضيين شبكة نفوذ مرافئ وموانئ من عدن إلى سواحل القرن الأفريقي، ما يجعل أي خط أنابيب جديد أو ميناء منافس بمثابة تغيير عميق في قواعد اللعبة البحرية والتجارية في المنطقة. هذا التنافس الصامت لا يلغي حضور الخطر الصاخب؛ فالمشهد في حضرموت والمهرة وعدن شهد خلال الأشهر الماضية موجات توتر واشتباكات محدودة لكنها ذات دلالات بعيدة المدى، حيث تترافق إعادة تموضع القوات الحكومية مع عمليات إخراج أو تحجيم لقوات المجلس الانتقالي في بعض المناطق، وغارات جوية سعودية استهدفت مواقع لجهات محسوبة على حلفاء أبوظبي، بحسب ما وثقته تقارير صحفية عربية ودولية غطّت تسلسل التصعيد من حضرموت إلى المهرة.
وفي كل مرة تُعلن فيها السلطات المحلية أو الحكومة المركزية عن “استعادة السيطرة” أو “انتشار قوات الدولة”، يتردد في الخلفية سؤال أكبر طرحته دراسات وتقارير متخصصة مثل تقرير The Saudi Arabia-UAE ‘cold war’ in Yemen، وأوراق تحليلية لمراكز أبحاث إقليمية ودولية: هل نحن أمام تثبيت نهائي لسيادة الدولة اليمنية على هذه الجغرافيا، أم أمام محطة جديدة في رحلة تقاسم نفوذ إقليمي تُدار بأدوات محلية، مع بقاء القرار النهائي في عواصم خارج حدود اليمن؟ المخاطر لا تقف عند حدود السياسة؛ فاستمرار التعددية المسلحة وتضارب مراكز القرار الأمني يهدد بتحويل حضرموت إلى فسيفساء أمنية متناحرة، حيث يمكن أن تنفجر خطوط التماس في أي لحظة، فتتعطل الموانئ، وتُستهدف البنى التحتية للطاقة، ويتضرر المدنيون الذين يدفعون ثمن كل معادلة قيد التجريب، كما تحذر من ذلك تقارير إعلامية وتحليلية تناولت “معارك النفوذ” في حضرموت والمهرة.
ومع أن بعض الخطوات الأخيرة – مثل انتشار قوات “درع الوطن” بدعم سعودي في شرق اليمن وإعلان العمل “تحت مظلة الدولة” – توحي برغبة في ضبط الميدان وإعادة الاعتبار لمفهوم الجيش الواحد، إلا أن غياب تسوية سياسية شاملة بين الرياض وأبوظبي، وبين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي، يبقي احتمالات الانفلات قائمة، ويجعل أي استقرارٍ محققٍ أشبه باستقرار فوق خطوط زلزال لم تنطفئ بعد، كما تذهب إلى ذلك بعض القراءات التي تتبع مسارات الحرب والسلام في اليمن. في المحصلة، تتجاوز حضرموت اليوم حدود الجغرافيا اليمنية لتتحول إلى مرآة تعكس توتر العلاقة بين حليفين إقليميين كانا حتى وقت قريب يبدوان كتوأم سياسي وعسكري، وتكشف – كما يخلص تقرير «GIS Reports» – كيف يمكن لـ”حرب باردة” أن تُدار بأدوات محلية لكنها تحمل بصمات عواصم بعيدة.
وبين أنابيب النفط التي تُطرح في خطط ومشاريع لم تكتمل بعد، وخطوط النار التي تلوّح في الأفق على شكل مواجهات محدودة قابلة للتصعيد في أي لحظة، يقف السكان في حضرموت أمام مستقبل مفتوح على سيناريوهين متناقضين: إما أن تتحول محافظتهم إلى نموذج لاستعادة الدولة وبسط سيادتها على ثرواتها وموانئها، كما تراهن بعض الأوساط الحكومية اليمنية وحلفاؤها، أو تصبح شاهدا على مرحلة جديدة من إعادة تدوير الوصاية الإقليمية على الجغرافيا اليمنية، بأسماء وواجهات مختلفة لكن بآليات صراع لا تزال تتكرر منذ عقود، وفق ما تحذر منه تقارير إعلامية وتحليلية عربية ودولية متعددة.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















