مآلات ميديا – تعز :
في مدينة تعز، لم تعد وقائع إغلاق الشوارع أو التمدد العمراني في مناطق الخطر أحداثًا معزولة يمكن التعامل معها كاستثناءات عابرة، بل تحولت إلى مؤشرات متراكمة على خلل أعمق يتصل بطبيعة الدور المؤسسي وحدود حضوره الفعلي على الأرض. ما جرى مؤخرًا من نصب بوابات حديدية لإغلاق شوارع عامة، بالتوازي مع توسع مساكن عشوائية تحت كتل صخرية مهددة بالانهيار، يكشف أن المشكلة لم تعد في السلوك المجتمعي بحد ذاته، وإنما في الفراغ الذي سمح لهذا السلوك أن يتحول إلى بديل عن الدولة.
خلال الساعات الماضية، ظهرت أكثر من حالة تعدٍ في مديرية القاهرة، حيث جرى تسوير شوارع رئيسية وتحويلها إلى ممرات شبه خاصة، يتحكم فيها أفراد أو مجموعات، في مشهد يختزل فكرة “تفكك المجال العام”. وفي مديرية صالة، تتكرر الصورة بشكل أكثر خطورة، حيث تعيش أسر كاملة تحت تهديد صخور قابلة للسقوط في أي لحظة، دون وجود تدخلات وقائية حاسمة أو حلول جذرية تعيد تنظيم هذا التمدد العشوائي.
هذه الوقائع، رغم ما تبدو عليه من فوضى محلية، تعكس في جوهرها نتيجة مباشرة لغياب الدور المؤسسي الفاعل، وانشغال مراكز القرار بقضايا تتجاوز الداخل على حساب معالجة الاختلالات اليومية التي تمس حياة المواطنين. حين تتراجع أولوية الإدارة الحضرية، وتُترك المدن لتدير نفسها عبر اجتهادات فردية، يصبح من الطبيعي أن يتحول الشارع إلى مساحة قابلة للسيطرة، وأن تتحول المناطق الخطرة إلى بيئات سكنية بحكم الأمر الواقع.
إن انشغال بعض الفاعلين السياسيين والإداريين بحسابات خارجية، أو الارتهان لمسارات لا تنعكس مباشرة على تحسين الواقع المحلي، يخلق فجوة بين الدولة والمجتمع، تتسع تدريجيًا لتُملأ بأنماط تنظيم بديلة، غالبًا ما تكون عشوائية أو غير قانونية. في هذه الفجوة، لا تعود القوانين مرجعية ملزمة، بل مجرد نصوص معلقة، بينما تتحول المبادرات الفردية إلى أدوات إدارة يومية، حتى لو كانت على حساب المصلحة العامة.
التحركات الأخيرة للسلطة المحلية، بما في ذلك النزول الميداني والتوجيه بإزالة التعديات أو وقف البناء في المناطق الخطرة، تمثل محاولة لاستعادة جزء من الحضور المؤسسي، لكنها تظل إجراءات آنية ما لم تُدعم برؤية شاملة تعيد الاعتبار لوظيفة الدولة في التخطيط والتنظيم والرقابة. فالمسألة لم تعد تتعلق بإزالة بوابة هنا أو إيقاف بناء هناك، بل بإعادة بناء منظومة قادرة على منع تكرار هذه الظواهر من الأساس.
إن ما يحدث في تعز يضع اختبارًا حقيقيًا أمام فكرة الدولة نفسها: هل تظل منشغلة بإدارة علاقاتها خارج حدودها، أم تعود لتثبيت حضورها داخل المدينة، حيث تتشكل يوميًا معاني السيادة والخدمة العامة؟ لأن الشارع، في نهاية المطاف، ليس مجرد مساحة عبور، بل مرآة لمدى حضور الدولة أو غيابها، وللقدرة على حماية الحق العام من التحول إلى ملكيات خاصة بحكم الأمر الواقع.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















