مآلات ميديا – متابعات:
في السابع والعشرين من أبريل/نيسان 2017، بدأت واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلامًا في سجل الاختفاء القسري المرتبط بالحرب اليمنية، حين أُوقف الدكتور مصطفى حسين المتوكل، أستاذ الاقتصاد بجامعة صنعاء ورئيس الهيئة العامة للاستثمار في صنعاء آنذاك، عند نقطة الفلج بمحافظة مأرب، بينما كان عائدًا إلى صنعاء على متن حافلة قادمة من مطار سيئون، بعد مشاركته في مؤتمر بالمغرب. لم يكن المشهد، في ظاهره، أكثر من رحلة عودة لأكاديمي يمني من فعالية علمية، لكنه تحوّل في لحظة واحدة إلى باب مفتوح على تسع سنوات من الغياب، والقلق، والبحث، والانتظار الثقيل.

تقول منظمة العفو الدولية، في تحرك عاجل صدر في يونيو/حزيران 2017، إن المتوكل كان يبلغ 61 عامًا وقت احتجازه، وإنه ظل محتجزًا بمعزل عن العالم الخارجي منذ 27 أبريل/نيسان 2017، مع مخاوف على وضعه الصحي، إذ كان يعاني من ارتفاع ضغط الدم ومشكلات متعلقة بتجلط الدم، ويحتاج إلى رعاية طبية منتظمة. هذه التفاصيل لا تجعل القضية مجرد واقعة احتجاز سياسي أو أمني، وإنما تنقلها إلى مساحة أكثر خطورة، حيث يصبح الغياب القسري تهديدًا مباشرًا لحياة إنسان، وامتحانًا قاسيًا لمعنى الحماية القانونية في زمن الحرب.

وبحسب منظمة مواطنة لحقوق الإنسان، اعترض جنود موالون للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا رحلة الحافلة التي كان المتوكل على متنها، واقتادوه إلى مكان مجهول، ومنذ ذلك الوقت ظل مصيره مبهمًا، ولم يُسمح لعائلته بزيارته أو التواصل المنتظم معه. وفي رواية مواطنة، لم تكن رحلة المتوكل محاطة بسرية أو نشاط عسكري، فقد سافر إلى المغرب للمشاركة في المؤتمر السنوي للهيئات الاستثمارية بعد تلقيه دعوة بصفته رئيسًا للهيئة العامة للاستثمار في صنعاء، ومر عبر مناطق تسيطر عليها حكومة هادي، وسافر من مطار سيئون وعاد إليه، ثم استقل حافلة عامة متجهًا إلى صنعاء.

من هنا تتجاوز القضية حدود الشخص لتصبح مرآة لطبيعة الحرب ذاتها. ففي الحروب المركبة، لا يصبح الخطر محصورًا في خطوط التماس أو ميادين القتال، بل يمتد إلى نقاط التفتيش، وإلى الهويات الوظيفية، وإلى الاشتباه السياسي، وإلى المناطق الرمادية التي يختلط فيها الأمني بالانتقامي، والقانوني بالسياسي، والإنساني بالحسابات الضيقة. وحين يُقتاد أكاديمي من حافلة عامة إلى مصير مجهول، فإن الرسالة الأعمق لا تستهدف فردًا بعينه فقط، بل تضرب فكرة الحصانة المدنية، وتزرع الخوف في المسافة الواقعة بين الجامعة والطريق العام، وبين العمل المؤسسي وحق العودة الآمنة.

توالت بعد ذلك المطالبات بالإفراج عنه والكشف عن مصيره. ففي يوليو/تموز 2017، نظمت نقابة وموظفو الهيئة العامة للاستثمار وقفة احتجاجية بصنعاء طالبت بإطلاق سراحه، وذكرت وكالة سبأ أن المشاركين استنكروا إخراجه عنوة من الحافلة في نقطة الفلج أثناء عودته من مؤتمر علمي حول الاستثمار في المغرب، كما أشاروا إلى منعه من الزيارة أو الاطمئنان عليه أو التواصل مع أسرته منذ لحظة احتجازه. ورغم أن لغة المصادر المحلية جاءت محملة بسياق الانقسام السياسي الحاد، فإن جوهر الواقعة ظل ثابتًا في مصادر حقوقية متعددة: رجل مدني، أستاذ جامعي، احتُجز في مأرب، ثم غاب أثره عن أسرته ومحاميه.

أما على المستوى الإنساني، فقد تحولت القضية إلى جرح عائلي ممتد. تذكر مواطنة أن زوجته، الدكتورة إلهام المتوكل، سافرت إلى مأرب في مايو/أيار 2017 برفقة فريق قانوني وأعضاء من نقابة هيئة التدريس بجامعة صنعاء، في محاولة للحصول على حقها القانوني في زيارته والاطمئنان عليه، لكنها عادت دون نتيجة. وتضيف المنظمة أن محاميها تلقى قبل مغادرتها مأرب اتصالًا من رقم محجوب يفيد، بحسب الرواية المنقولة، بأن الدكتور لم يعد موجودًا في مأرب وأنه سُلّم إلى السعودية، وهي رواية بالغة الحساسية لم تؤدِ، حتى الآن، إلى كشف رسمي شفاف عن مكانه أو وضعه القانوني.

ومع مرور السنوات، لم يعد الزمن مجرد رقم في القضية. العام الأول كان سؤالًا عن مكان الاحتجاز، والعام الثاني صار سؤالًا عن الحياة نفسها، ثم تحولت الأعوام اللاحقة إلى اختبار طويل لقدرة الأسرة على احتمال المجهول. وتشير مواطنة إلى أن للمتوكل خمسة أبناء، وأن أحد أبنائه توفي في ماليزيا بعد أشهر من اختفاء والده، ثم توفيت زوجته إلهام المتوكل في مارس/آذار 2023 بعد سنوات من البحث والمتابعة القانونية، دون أن تتمكن من رؤيته أو معرفة مصيره بصورة مؤكدة. هنا لا تعود المأساة متعلقة بالمحتجز وحده، بل بأسرة كاملة عوقبت بالانتظار، وبمجتمع كامل يتعلم، مع كل حالة مشابهة، أن غياب الحقيقة قد يكون أحيانًا أثقل من الخبر السيئ.

استراتيجيًا، تكشف قضية الدكتور مصطفى المتوكل عن خلل عميق في بنية الصراع اليمني؛ فهي تشير إلى أن الحرب لم تُنتج فقط انقسامًا عسكريًا وسياسيًا، بل أنتجت أيضًا اقتصادًا للخوف، تُدار فيه الأجساد والمصائر بوصفها أوراق ضغط، وتُعلّق فيه الحقوق الأساسية على ميزان الولاء والاشتباه والموقع الجغرافي. كما أنها تفضح محدودية آليات المساءلة في بلد تعددت فيه السلطات وتداخلت فيه مناطق النفوذ، بحيث يصبح السؤال البسيط: “أين هو؟” سؤالًا معقدًا، يحتاج إلى إرادة سياسية، وضغط حقوقي، ومسار تفاوضي، وضمانات دولية.

وفي دلالتها الأوسع، لا تبدو القضية منفصلة عن ملف الأسرى والمحتجزين والمخفيين قسرًا في اليمن، لكنها تتميز بكونها تجمع بين الرمزية المدنية والفراغ القانوني. فالمتوكل ليس مقاتلًا في جبهة، وفق ما تذكره أسرته ومنظمات حقوقية، وإنما أكاديمي ومسؤول مدني سابق، واحتجازه دون محاكمة معلنة أو تواصل منتظم مع أسرته يضع القضية في صلب النقاش حول الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي. لذلك فإن استمرار الغموض حول مصيره يفتح الباب أمام مآلات خطيرة، أولها تكريس الإفلات من العقاب، وثانيها إضعاف أي ثقة مستقبلية في مسارات المصالحة، وثالثها تحويل ملفات المحتجزين إلى قنابل أخلاقية مؤجلة داخل أي تسوية سياسية قادمة.

ولهذا، فإن القيمة الإخبارية للقضية اليوم لا تنبع فقط من مرور تسع سنوات على واقعة الاختفاء، بل من استمرار السؤال دون جواب. فكل عام جديد لا يضيف رقمًا إلى العنوان فحسب، بل يضيف دليلًا آخر على عجز الأطراف المعنية عن تقديم الحد الأدنى من الحقيقة لعائلة تنتظر، ولرأي عام يبحث عن معنى العدالة وسط ضجيج الحرب. ومن دون كشف مصيره، وتمكين أسرته ومحاميه من التواصل معه، وضمان حقه في الرعاية الطبية والمحاكمة العادلة إن وُجد اتهام قانوني بحقه، ستبقى قضية الدكتور مصطفى المتوكل شاهدة على مرحلة يمنية قاتمة، اختُطفت فيها السياسة من القانون، واختُطف الإنسان من حقه الأول في أن يُعرف مصيره.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.