مآلات ميديا – متابعات :
كشفت تسجيلات صوتية مسربة ضمن ما بات يُعرف بفضيحة “هندوراس غيت” عن مزاعم خطيرة تربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشبكة سياسية وإعلامية عابرة للحدود، يُقال إنها سعت إلى توظيف هندوراس ومنصات رقمية تعمل من الولايات المتحدة لاستهداف حكومات تقدمية في أميركا اللاتينية، وعلى رأسها حكومات المكسيك وكولومبيا والبرازيل.
وتضع التسريبات، التي نشرتها منصة Hondurasgate وDiario Red América Latina، الرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هيرنانديز في موقع الوسيط الإقليمي داخل هذا المخطط المزعوم، بعد خروجه من السجن بعفو من دونالد ترمب رغم إدانته في الولايات المتحدة بقضية تهريب مخدرات كبرى.
وفي أكثر مقاطع التسريبات حساسية، يُنسب إلى هيرنانديز قوله إن “أموال العفو” لم تأت من مخاطبه، بل من “مجموعة من الحاخامات وأشخاص يدعمون إسرائيل”، كما يُنسب إليه قوله إن نتنياهو كان له “كل علاقة” بخروجه وبالمفاوضات التي سبقت الإفراج عنه.
ومن هنا لا تبدو القضية، وفق الرواية التي تقدمها التسريبات، مجرد تدخل إعلامي عابر، بل محاولة لإعادة بناء نفوذ سياسي في القارة عبر تحالف يميني يضم حلفاء لترمب وشخصيات قريبة من الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي وجهات مرتبطة بإسرائيل، بهدف تقويض حكومات تُعد من أكثر الأصوات اللاتينية انتقادًا لإسرائيل وواشنطن.
وبحسب التسجيلات المنسوبة، ناقش هيرنانديز مع الرئيس الهندوراسي الحالي نصري عصفورة إنشاء “خلية معلومات” تعمل من الولايات المتحدة كمنصة إخبارية موجهة لأميركا اللاتينية، على أن تتولى نشر مواد ضد خصوم سياسيين في المكسيك وكولومبيا وهندوراس بعيدًا عن متناول السلطات المحلية .
وتشير التسريبات كذلك إلى تمويل مزعوم للعملية، يتضمن 150 ألف دولار لتأسيس مكتب أو مقر، و150 ألف دولار إضافية منسوبة إلى ترتيبات هندوراسية، و350 ألف دولار قيل إن ميلي ساهم بها، بما يجعل المشروع الإعلامي المزعوم أقرب إلى غرفة عمليات سياسية لا إلى مبادرة صحفية مستقلة.
وتبرز دلالة اسم نتنياهو في هذا السياق لأن الحكومات المستهدفة في التسريبات ليست خصومًا محليين لهندوراس فحسب، بل قوى سياسية اتخذت مواقف حادة من إسرائيل، إذ قطعت كولومبيا بقيادة غوستافو بيترو علاقاتها مع تل أبيب في مايو 2024 بسبب حرب غزة، كما شهدت علاقات إسرائيل مع البرازيل توترًا دبلوماسيًا عميقًا في عهد لولا دا سيلفا.
غير أن خطورة هذه التسريبات لا تلغي ضرورة التحفظ المهني، فالمواد المنشورة لم تصبح بعد أدلة قضائية، وتحتاج إلى تحقيق رسمي مستقل يثبت هوية المتحدثين وسياق التسجيلات ومسؤولية الأطراف المذكورة فيها .
ومع ذلك، فإن مجرد ظهور نتنياهو في رواية مسربة عن تمويل عفو سياسي، ثم عن بناء منصة تضليل تستهدف حكومات لاتينية معارضة لإسرائيل، يمنح القضية وزنًا استراتيجيًا يتجاوز هندوراس إلى صراع النفوذ على القارة كلها
وبهذا المعنى، فإن “هندوراس غيت” تطرح سؤالًا يتجاوز التسجيلات نفسها: هل نحن أمام فضيحة سياسية عابرة، أم أمام نموذج جديد من الحروب غير المباشرة حيث تتحول المنصات الرقمية والمال السياسي وشبكات الضغط الدولية إلى أدوات لإسقاط الحكومات لا عبر الدبابات، بل عبر هندسة الإدراك العام وتشويه الشرعية من الداخل.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















