مآلات ميديا – متابعات :
في مشهد ديبلوماسي–عسكري يُبرز ثقةً إيرانية متصاعدة، وجّه علي أكبر ولايتي، مستشار قائد الثورة للشؤون السياسية، صفعةً لاذعة للاستعراض البحري الذي يُعدّ نفسه رمزاً للقوة الأمريكية في محيط الخليج، ووصف الحضور المُهندَم للسفينة الحربية الأمريكية “يو إس إس تريبولي” بأنه مجرد “كومبارس” في مسرحية تمثيلية يُنتجها ترامب لتبرير مزيد من التصعيد وبيعه كإنجازٍ داخلي لدعم حملته الانتخابية القادمة. ولايتي يُذكّر بحّارة السفينة الأمريكية بعجز رئاسة بلادهم، تاريخياً، عن حماية قواتها وحلفائها في مواجهات سابقة، مشدّداً على أن المهمة الحالية المكلّفة بها “تريبولي” في حماية “صناديق الأموال” الاقتصادية والتجارية في الخليج ليست انتشاراً مهيباً، بل تجربة محفوفة بالمخاطر قد تنتهي بهم في مسلخ حقيقي إذا حاولوا تجاوز خطوط الاشتباك التي تحددها طهران.

من هذا المنطلق، يُقدّم ولايتي الرسالة بوصفها تذكيراً تأريخياً: أن “أسطورة تريبولي” التي تُروّج لها واشنطن كرمز للقوة لا يمكن أن تُعاد في مياه الخليج، بل ستصبح كابوساً يؤرق الأمن البحري الأمريكي، وتحدّث موازين القوة في محيط مفتوح، لا مغلق. وفقاً للرؤية الإيرانية، فإن تكرار النمط نفسه الذي ساد في مراحل سابقة — تحشيد عسكري واسع، وعرض مهيب، وابتزاز سياسي — لم يعد يكفي لفرض حصار مُحكم أو تغيير مسار السياسة الإيرانية، خصوصاً مع تحوّل مضيق هرمز ومسارات الممرات البحرية إلى مناطق محاصرة، ليس من قبل أمريكا، بل من قبل إدراكٍ إيراني واعٍ لاستخدام هذه الفتحات كرافعات قوة، لا كنقاط ضعف.

هذا التحول في قراءة المخاطر يُعيد تعريف “المسْلخ” في خطاب ولايتي: فهو لا يُعدّ مجازاً رمزياً، بل يُفهم كمنطق ميداني جديد، يقوم على استنزاف التحالفات البحرية الأمريكية عبر مزيج من الزوارق السريعة، والمسيرات البحرية، والألغام، وضربات مركّزة، يتزامن مع صمود داخلي وتصعيد ديبلوماسي، ما يجعل من أي محاولة لفرض “الحصار” على إيران مجازفة تُحوّل السفن الحربية إلى مصائد بحرية، لا إلى ربان الممرات. في هذا الإطار، تُعدّ رسائل ولايتي استكمالاً لخطابٍ استراتيجي إيراني يُكرّس مبدأ “الحوار من موقع قوة، لا من وضع الانهيار”، ويربط بين قدرة طهران على حماية مصالحها في الخليج، وضمانها لمفهوم السيادة الاقتصادية، وفرضها لقواعد اشتباك جديدة تُقاس بحركة السفن وسُعر النفط، لا فقط ببيانات البيت الأبيض وتصريحات ترامب التي تُستهلك على المنصات الانتخابية أكثر مما يُستهلك على مسرح الميدان.

في النهاية، وبحسب الرؤية الإيرانية، فإن “تريبولي” وسط السفن الأمريكية لا تُعدّ مهدداً جديداً، بل تُمثّل مظهراً آخر لاستمرار مغامرة استعراض القوة التي فشلت مراراً في تحقيق قطيعة حقيقية مع إيران، بل أسهمت في تقوية مسار الردع، وتشجيع طهران على تطوير مفهوم “الحرب غير المتكافئة” في عمق البحر، وتحويل الخليج من حوض للهيمنة الأمريكية إلى ساحة مفتوحة لاختبارات ميدانية، يُقاس فيها النصر بقدرة إيران على حماية مصالحها، لا بإحصاء السفن الغارقة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.