مآلات ميديا – متابعات :
في ليلة بحرية بدت في ظاهرها اعتيادية فوق مياه المتوسط غرب جزيرة كريت، كانت عشرات السفن المدنية المشاركة في “أسطول الصمود العالمي” تشق طريقها البطيء نحو غزة، حاملة على متنها نشطاء ومواد إغاثية في محاولة جديدة لكسر الحصار الممتد على القطاع منذ سنوات، لكن ما بدا رحلة تضامن إنساني تحوّل فجأة إلى مشهد عسكري معقّد حين ظهرت الزوارق الحربية للكيان الصهيوني وطائراته المسيّرة في قلب منطقة بحث وإنقاذ تتبع اليونان، لتبدأ عملية اعتراض واعتداء واحتجاز وصفت بأنها الأبعد جغرافياً في سجل الهجمات الصهيونية على القوافل البحرية المتجهة إلى غزة.
هذا الحدث الذي وقع في المياه الدولية، على مسافة تُقدّر بنحو 54 ميلاً من المياه الإقليمية اليونانية غرب كريت، لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل تحوّل سريعاً إلى ملف سياسي وقانوني وأخلاقي معقّد، إذ تداخلت فيه قواعد القانون البحري الدولي مع التزامات الدول تجاه مناطق البحث والإنقاذ، وتداخلت كذلك حسابات التحالفات العسكرية في شرق المتوسط مع الأسئلة الصعبة حول حدود “الحياد” الأوروبي في الحرب على غزة.
ففي اللحظة التي بدأت فيها نداءات الاستغاثة تنطلق من سفن الأسطول، داخل نطاق مسؤولية اليونان عن البحث والإنقاذ، كانت أجهزة الرصد والمتابعة في أثينا – وفق ما تؤكده منظمات مشاركة في الأسطول – تلتقط الإشارات بوضوح، دون أن يقابل ذلك بأي تحرك ميداني أو حتى احتجاج علني في الساعات الأولى، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام الحديث عن “تنسيق صامت” لا يقل خطورة عن المشاركة المباشرة.
ومع توالي الشهادات، بدأت تتكشف ملامح العملية: زوارق حربية تابعة للكيان الصهيوني تحاصر سفن مدنية في المياه الدولية قرب كريت، طائرات مسيّرة تحلق على ارتفاعات منخفضة وتلقي قنابل أو أجساماً غير محددة على عدد من القوارب، وتشويش إلكتروني كثيف على منظومات الاتصالات اللاسلكية والساتلية للسفن، حتى تحوّلت القافلة الإنسانية إلى جزر معزولة وسط بحر معتم لا يسمع صرخاتها أحد.
تركّز الضغط العسكري والنفسي على بعض السفن القيادية، وفي مقدمتها سفينة “صف صف” التي عملت بمثابة مركز العمليات والاتصال للأسطول، حيث أُطفئت عملياً أعصاب القافلة البشرية حين انقطعت اتصالات السفينة الأم، وبدأت الوحدات التابعة للكيان الصهيوني تستخدم أضواء الليزر والتهديد بالأسلحة لإجبار النشطاء على الانبطاح أرضاً وتغيير مسارهم بعيداً عن السواحل الفلسطينية.
في موازاة هذا المشهد البحري المتوتر، كانت بعض غرف الأخبار في العالم تلتقط روايات أخرى لا تقل خطورة، مصدرها منظمات يونانية متضامنة مع الأسطول، مثل “مسيرة إلى غزة – اليونان”، والتي تحدثت عن وجود “تنسيق مباشر” بين غرف عمليات في أثينا وأخرى في تل أبيب أثناء تنفيذ عملية الاعتراض، مؤكدة أن السفن استُهدفت داخل منطقة البحث والإنقاذ اليونانية دون أن يُسجل أي تدخل فعّال لخفر السواحل اليوناني، رغم وضوح إشارات الاستغاثة على شاشاتهم.
هذه الاتهامات أخذت زخماً أكبر حين خرج وزير مالية يوناني سابق ليصرّح بأن حكومة بلاده بدت “متواطئة أو عاجزة” أمام العدوان على الأسطول قرب كريت، في تعبير سياسي يلقي بظلاله على طبيعة القرار في أثينا: هل اختارت اليونان الصمت تحت ضغط تحالفاتها، أم أن الصمت ذاته كان جزءاً من خطة تم الاتفاق عليها مسبقاً؟
لفهم دلالات هذا السلوك اليوناني، لا يمكن عزل الواقعة عن المسار الأوسع للعلاقات اليونانية مع الكيان الصهيوني في السنوات الأخيرة، حيث تحوّلت أثينا من لاعب هامشي في معادلات شرق المتوسط إلى “ذراع استراتيجي” لذلك الكيان في البحر، مستندة إلى برامج تسليح ضخمة بلغت نحو 25 مليار يورو لتحديث قواتها المسلحة، ركزت فيها على أنظمة دفاع جوي صهيونية، وطائرات مسيّرة انتحارية، وسفن حربية متطورة، في إطار رؤية تجعل من اليونان جسراً لارتباط تل أبيب بأوروبا وشرق المتوسط على حد سواء.
هذا التقارب لا يقف عند حدود مشتريات السلاح، بل يتجاوزها إلى تشكيل بنية تحالف عسكري ثلاثي يضم اليونان والكيان الصهيوني وقبرص، بمظلة أمريكية، مع إنشاء قوة بحرية وجوية للرد السريع قوامها 2500 جندي، ورسم خطط عمل مشتركة للتدريب والانتشار، وهو ما جعل ساحات المياه حول كريت وغيرها من الجزر اليونانية فضاءً طبيعياً لعمليات عسكرية ذات بعد صهيوني واضح، سواء جرت بالأعلام الزرقاء والبيضاء نفسها، أو برعاية صامتة من حلفاء أوروبيين.
من هذه الزاوية، يصبح الصمت اليوناني خلال واقعة استهداف “أسطول الصمود” أقل غرابة، وأقرب إلى كونه حلقة في سلسلة إعادة تموضع استراتيجي تقرّب أثينا من الكيان الصهيوني وتباعدها عن الصورة التقليدية لعضو أوروبي “محايد” يسعى لحماية القانون الدولي، إذ تختار الحكومة – ضمنياً أو صراحة – أن تضع اعتبارات التحالف مع هذا الكيان والغرب في كفة، والتزاماتها الإنسانية والقانونية في كفة أخرى.
هذا الانزياح الاستراتيجي يعني أن البحر الأبيض المتوسط لم يعد مجرد مسرح لعبور قوافل المساعدات أو خطوط التجارة، بل تحوّل تدريجياً إلى شبكة ممرات مراقبة ومسيطر عليها، حيث تلتقي مصالح التحالفات العسكرية مع تقنيات المراقبة البحرية والجوية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة وأنظمة الرصد الإلكتروني، لفرض هندسة جديدة لحركة السفن المدنية ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.
على المستوى القانوني، تطرح حادثة كريت أسئلة ثقيلة حول التزامات الدول الساحلية في مناطق البحث والإنقاذ الملحقة بها، فحين تتعرض سفن مدنية لهجوم مسلح في نطاق مسؤولية الإغاثة والإنقاذ لدولة ما، يصبح امتناع تلك الدولة عن التدخل – أو تأخرها المريب – ليس مجرد خيار سياسي، بل موضع مساءلة قانونية محتملة، لاسيما إذا تزامن مع مؤشرات على وجود تنسيق استخباراتي أو عسكري مع الجهة المعتدية.
وبينما يستند الكيان الصهيوني في كثير من عملياته البحرية إلى رواية “الأمن القومي” و”منع الدعم عن منظمات معادية”، فإن صورة القوارب الصغيرة المكدسة بالنشطاء والمواد الغذائية والأدوية المتجهة إلى غزة تُربك هذه الرواية، وتحوّل كل عملية اعتراض إلى امتحان أمام الرأي العام العالمي، يختبر مدى قدرة هذا الكيان على تبرير استخدام القوة ضد مبادرات مدنية تحت أعين حلفائه.
أما في البعد الإنساني والسياسي لقضية غزة، فإن استهداف “أسطول الصمود العالمي” يؤشر إلى أن الحصار لم يعد يُدار فقط على مداخل القطاع البرية والبحرية المباشرة، بل امتد إلى دوائر أوسع داخل المتوسط، بحيث تُضرب المبادرات التضامنية قبل أن تقترب حتى من المياه الإقليمية الفلسطينية، وهذا يحمل رسالة ردع مزدوجة: ردع للنشطاء والمنظمات الدولية كي لا يكرّروا التجربة، وردع للدول الأخرى كي لا تُسهم في تأمين ممرات آمنة لهذه القوافل.
هذا النمط من الردع البحري البعيد يعكس انتقال الكيان الصهيوني من سياسة “إدارة الحصار” إلى سياسة “إدارة المحيط” بأكمله، بالاستفادة من تحالفات مع دول متوسطيّة مثل اليونان وقبرص، ومن الغطاء السياسي والأمني الذي توفّره قوى غربية ترى في هذه التحالفات أداة لإعادة هندسة موازين القوى في شرق المتوسط، خصوصاً في مواجهة تركيا وفاعلين إقليميين آخرين.
في المحصلة، يكشف التحقيق المتنامي حول طبيعة التنسيق بين أثينا والكيان الصهيوني خلال واقعة استهداف سفن “أسطول الصمود العالمي” عن أكثر من مجرد حادثة بحرية عابرة، فهو يسلط الضوء على تحوّل جيوسياسي عميق جعل من اليونان منصة استراتيجية لسياسات هذا الكيان في المتوسط، وعلى فجوة متسعة بين خطاب أوروبي يرفع شعارات حقوق الإنسان، وممارسة عملية تسمح بانتهاك حقوق مبادرات إنسانية في نطاق مسؤوليات تلك الدول نفسها.
وبينما يستمر الجدل القانوني والسياسي حول مسؤولية أثينا وصمتها في تلك الليلة القريبة من سواحل كريت، تتقدّم إلى الواجهة حقيقة جوهرية واحدة: أن معركة غزة لم تعد محصورة بين شاطئ محاصر وجدار عازل، بل امتدت إلى خرائط التحالفات العسكرية وممرات الملاحة الدولية، حيث يتحدد مصير القوافل الإنسانية بقرار من غرف عمليات بعيدة، قد تكون في تل أبيب أو في عاصمة أوروبية تتقن فن إدارة “الصمت” كأخطر أشكال التواطؤ.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















