الشهاري الشرفي – مآلات ميديا:
لا يمكن لعينٍ بصيره أو قلبٍ ينبض بالمسؤولية أن يمر بمشهد الأمس دون أن يتحرك في صدره لوع بليغ وألم عاصف؛ حين يرى الإنسان قائد الثورة وهو يغالب المرض، ويبحّ صوته، ويتحامل على أوجاعه الجسدية الشديدة لكي لا يفوت فرصة واحدة في سبيل هداية هذه الأمة، وتبصيرها بمؤامرات أعدائها، وتزكية نفوس أبنائها. إنه يجسد بأعلى درجات الوفاء صورة القائد المشفق الذي يذوب حرصاً على قومه، مصداقاً للبيان الإلهي: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
ولكن، ما يدمي القلب حقاً ليس الوجع الجسدي الذي يتحمله القائد، بل الوجع المعنوي الناجم عن فجوة الاستجابة في الواقع الميداني؛ حين تصدمنا الحقيقة بأن الفئة المهتمة بالاستماع والوعي ضئيلة، بينما تحول الأمر لدى البعض الآخر إلى مجرد طقس شكلي لرفع التقارير وإثبات الحضور، متناسين التوجيه الرباني الصارم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ومن هنا، فإن الأفكار والمقترحات التي تطالب بإنشاء آليات تقنية حديثة ومؤتمتة لتقييم الأثر الميداني للمحاضرات لم تعد ترفاً، بل ضرورة ملحة لمعرفة مدى التفاعل الحقيقي ووضع النقاط على الحروف.
جذر المشكلة: وعظ السلوك أم وعظ الكلمات؟
إن زهد الكثير من عامة الناس في المتابعة، أو ارتداد بعضهم، ليس دليلاً على زهد في الحق بذاته، بل هو نتيجة الصدمة في سلوك “القدوة” ومخرجات الواقع الإداري. فالناس اليوم يراقبون ممارسات مسؤولي الدولة وموظفيها قبل أن يستمعوا إلى المحاضرات؛ إذ إن الوعظ بالسلوك والتعامل العملي أبلغ أثراً بآلاف المرات من الوعظ بالكلمات والخطب. وحين يرى المواطن فجوة سحيقة بين المبادئ الملقاة والممارسات المطبقة على أرض الواقع، ينتج عن ذلك إحباط مجتمعي كبير، وقد حذرنا الله تعالى من خطورة هذا الانفصام بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
غياب المؤسسية ومخاطر الشللية:
لقد تسللت إلى مفاصل الوظيفة العامة أمراض خطيرة كـ “الشللية والمناطقية والأسرية”، فغابت المؤسسية والكفاءة والمؤهل العلمي، وصارت مفاصل بعض الوزارات والمؤسسات والمحافظات حكراً على الأقارب، والأصهار، وأبناء القرية، يحيطون بالمسؤول ويحجبون عنه وعن الدولة أنين الناس وهمومهم.
إن التذرع بـ “الجهاد” لتبرير تمكين غير المؤهلين من الأقارب والأبناء هو إساءة بالغة لمفهوم الجهاد وقيمته؛ فالجهاد بذل وعطاء وإيثار لا مغنم ووظائف وجباية، وتوريث المناصب على هذا النحو يحبط بركة السعي والجهاد القديم. لقد أمرنا الله تعالى بوضع الأمور في نصابها الصحيح فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وأساس الأمانة هنا هو الكفاءة والقدرة والنزاهة، وحين فُقدت هذه المعايير، أُقصي “السابقون السابقون” من أهل الخبرة والنقاء، وغُيبت الكوادر المؤهلة التي يحتاجها بناء الدولة وتثبيت أركانها.
نحو الإصلاح والبناء:
إن القائد يؤدي واجبه ومسؤوليته أمام الله بكل أمانة واقتدار، ولن يضره تقصير مقصر أو خذلان خاذل، فالتاريخ مليء بأنبياء لبثوا في قومهم أزماناً طويلة فما زادهم الدعاء إلا فراراً وعتواً. لكن المسؤولية تقع على عاتق الشرفاء والغيارى في إصلاح هذا الاعوجاج وحماية تضحيات دماء الشهداء.
إن الحرص الشديد على مسيرة التضحيات يستوجب اليوم ثورة إدارية وتصحيحية شاملة تقتلع جذور المحسوبية والقرابة، وتعيد الاعتبار للمؤسسية والكفاءة، وتجعل من “السلوك المسؤول والنزيه” هو المعيار الأول والوحيد للبقاء في المنصب. دعونا لا نضيع تعب وسهر القيادة بشللية ضيقة، ولنكن عوناً لها بسلوكنا المستقيم لا عبئاً عليها بتقصيرنا، ولنتذكر دائماً وعيد الله وتوجيهه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
ولله عاقبة الأمور،،
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



















