م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا :
في اليمن، لا تولد القضايا من الوقائع وحدها، بل من الطريقة التي تُروى بها، ومن الاسم الذي تحمله، ومن الجهة التي تتبناها، ومن حجم الضجيج الذي يرافقها. وفي بلد أنهكته الحرب، وتداخلت فيه السياسة بالقبيلة، والهوية بالمظلومية، لم تعد الحقيقة دائمًا قادرة على الوصول إلى الناس في صورتها الصافية. أحيانًا تحتاج الحقيقة إلى سند قبلي كي تُسمع، وأحيانًا يكفي مشهد واحد مصوّر كي يحرّك مجالس الرجال ويفتح أبواب الوجاهات، حتى وإن كانت الوثائق والأحكام تقول شيئًا آخر.

في اليمن، القبيلة بالإضافة الى انها تكوين اجتماعي أو امتداد نسبي، فهي واحدة من أقدم مؤسسات الضبط الأخلاقي والاجتماعي، ووعاء من أوعية النجدة ورد المظالم وحماية الضعيف. ومن يقرأ تاريخ اليمن بإنصاف يدرك أن العرف القبلي، في جوهره الأصيل، لم يكن يومًا أداة للخصومة ولا غطاءً للباطل، وإنما كان ميزانًا اجتماعيًا يُستدعى حين تضيق السبل، وتتعطل المؤسسات، ويحتاج الإنسان إلى صوت يحفظ كرامته ويرد عنه الظلم.

من هنا، فإن أي قراءة لقضية أثارت جدلًا قبليًا أو إعلاميًا ينبغي أن تميّز بدقة بين القبيلة كمنظومة قيم، وبين المواقف الفردية التي قد تصدر عن شيخ أو وجيه أو مجموعة محدودة في ظرف ملتبس. فالقبيلة اليمنية، بأصولها وأعرافها، أكبر من أن تُختزل في موقف ، وأعمق من أن تُحمّل تبعات اجتهاد فردي قد يصيب وقد يخطئ. وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول الملاحظة النقدية إلى إساءة للعرف، وحتى لا يُفهم النقاش وكأنه استهداف للمشائخ أو تقليل من مكانتهم الاجتماعية.

من بين أكثر المفارقات اليمنية إيلامًا، تبرز قصتا سميرة مارش وسمية الزبيري، امرأتان من سياقين مختلفين، لكن المقارنة بينهما تكشف ما هو أعمق من الحكاية الشخصية لكل واحدة منهما. فالقضيتان لا تقدمان امتحانًا للقبيلة كلها، وإنما تكشفان التباسًا في طريقة استدعاء العرف القبلي في لحظة معينة. سميرة مارش، المرأة اليمنية التي ارتبط اسمها بروايات احتجاز طويلة ومعاناة إنسانية قاسية، بقيت سنوات في دائرة الصمت والخذلان الاجتماعي، ولم تتحول قضيتها إلى عنوان قبلي واسع، رغم ما حملته من أبعاد إنسانية تستوجب السؤال والاهتمام والوساطة. كانت امرأة يمنية بسيطة، بلا لقب صاخب، ولا نسب سياسي مثير، ولا قصة قابلة للتوظيف الرمزي، ولهذا بقيت مظلوميتها محدودة التداول، ولم تجد من الزخم القبلي ما يتناسب مع حجم الألم الذي نُسب إلى تجربتها.

وعلى الضفة الأخرى، ظهرت قضية سمية الزبيري، وهي قضية مختلفة في طبيعتها ومسارها، لأنها لم تدخل الوعي العام من باب المظلومية الصامتة، بل من باب الاسم الكبير والمشهد المؤثر والادعاء المثير للجدل. وحين لجأت إلى أحد المشائخ، وقدّمت نفسها في صورة امرأة تستنجد، ثم استخدمت رمزًا قبليًا شديد الحساسية كقص خصلة من الشعر ورميها في مجلس الرجال، تحركت الاستجابة العرفية بسرعة. وهذه الاستجابة، وإن كانت مفهومة من زاوية حساسية الرمز في العرف القبلي، إلا أنها تطرح سؤالًا مهمًا: هل جرى التثبت الكافي قبل تحويل القضية إلى ملف نصرة؟ وهل كان الموقف منسجمًا مع أصول القبيلة التي تجعل التحقق سابقًا للحكم، وتجعل النصرة للحق لا للرواية الأكثر تأثيرًا؟

هنا ينبغي أن يكون الكلام واضحًا ومنصفًا. المشكلة ليست في القبيلة، وليست في أصل العرف، وليست في مبدأ نصرة المرأة المستجيرة. فهذا المبدأ من أرفع ما في الوجدان القبلي اليمني، ومن أكثر عناصره إنسانية ونبلًا. المشكلة تكمن في احتمال سوء تقدير فردي حين يُستدعى العرف قبل اكتمال التحقق، أو حين تطغى قوة المشهد على قوة الدليل، أو حين يتحرك الوجدان أسرع من الوثيقة. فالقبيلة، في أصولها، لا تنصر من يرفع الصوت فقط، ولا تقف مع من يحسن صناعة المشهد، وإنما تقف مع الحق بعد التبين، ومع المظلوم بعد ثبوت مظلمته، ومع الضعيف حين يُسلب حقه فعلًا.

ومن هذه الزاوية، لا تصبح المقارنة بين سميرة وسمية إدانة للمشائخ، وإنما دعوة لإعادة الاعتبار إلى روح العرف القبلي نفسه. فالعرف لا يضع النخوة في مواجهة الحقيقة، ولا يجعل الشهامة بديلًا عن التثبت، ولا يسمح بأن تتحول الرموز القبلية العظيمة إلى مفاتيح عاطفية تفتح أبواب المجالس دون فحص دقيق للوقائع. القبيلة اليمنية التي عُرفت بالحكمة تعرف أيضًا أن النصرة العمياء قد تظلم بقدر ما تظن أنها تنصف، وأن الوقوف مع المستجير لا يكتمل إلا حين يُبنى على تحقق وعدل واتزان.

ولعل ما يجعل قضية سميرة مارش أكثر حضورًا في هذا النقاش أنها تذكّر الجميع بأن المظلومية الحقيقية قد تكون صامتة، وأن الإنسان المقهور قد لا يمتلك القدرة على الوصول إلى المجالس، ولا على صناعة مشهد يهز الوجدان، ولا على استدعاء اسم كبير يشعل الحماس. وهنا يظهر جوهر العرف القبلي في صورته النبيلة: أن يبحث عن المظلوم قبل أن يصل إليه، وأن يسمع أنين الضعيف قبل أن يتحول إلى صرخة، وأن يجعل معيار النصرة هو الحق لا الضجيج، والإنسان لا اللقب، والمعاناة لا القدرة على إثارة الانتباه.

إن الإشكال في هذه الحادثة، إن صحّت تفاصيلها كما جرى تداولها، ليس أن شيخًا استجاب لامرأة مستجيرة، فهذه قيمة قبيلة أصيلة لا ينبغي التقليل منها، وإنما أن الاستجابة بدت أسرع من التحقق، وأكبر من حجم اليقين المتاح، وأكثر التصاقًا بالرمز من الوثيقة. وهذا لا يمس القبيلة في أصلها، بل يدعو إلى حماية القبيلة من أن تُستدرج إلى قضايا ملتبسة قد تضر بمكانتها وتفتح عليها أبواب التأويل والحرج. فالشيخ، في الوعي اليمني، ليس رجل حماس فقط، وإنما رجل ميزان، ومكانته لا تقوم على سرعة الاستجابة وحدها، بل على الجمع بين النجدة والحكمة، وبين الشهامة والبصيرة.

من هنا، فإن الواجب اليوم ليس مهاجمة المشائخ ولا التشكيك في العرف، وإنما القول بوضوح إن القبيلة اليمنية أكبر من أي التباس فردي، وأن أصولها لا تقبل أن تكون النصرة انتقائية، ولا أن يُستدعى الشرف القبلي في قضية لم تكتمل معطياتها، بينما تُترك قضايا إنسانية أكثر وضوحًا في الهامش. فإذا كان العرف القبلي قد وُجد لحماية الكرامة، فإن أولى الكرامات بالحماية هي كرامة الحقيقة، لأن النصرة حين تفارق الحقيقة تتحول من فضيلة إلى عبء على أصحابها.

وهكذا، فإن المقارنة بين سميرة مارش وسمية الزبيري لا تستهدف شيخًا ولا قبيلة، ولا تسعى إلى فتح خصومة مع أحد، بل تريد أن تقول إن القبيلة في اليمن يجب أن تبقى في موقعها الأصيل: حارسة للحق، لا أسيرة للمشهد؛ نصيرة للمظلوم، لا منجذبة إلى الاسم الصاخب؛ ميزانًا للعدل، لا صدى للضجيج. وما حدث، في جوهره، ينبغي أن يُقرأ كتذكير بأن المواقف الفردية لا تمثل بالضرورة روح القبيلة، وأن العرف الأصيل لا يكتمل إلا حين يقف على أرض التثبت، ويمنح النصرة لمن يستحقها فعلًا، سواء كان صاحب القضية مشهورًا أو مجهولًا، قويًا أو ضعيفًا، قريبًا أو بعيدًا.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.