مآلات ميديا – الاراضي المحتلة :
في مشهد يعكس مفارقة عسكرية لافتة، تتجه المؤسسة الأمنية في الكيان الصهيوني إلى تبني وسائل بدائية نسبياً لمواجهة تهديدات تكنولوجية منخفضة الكلفة، في تطور يسلط الضوء على تحولات عميقة في طبيعة الصراع على الجبهة الشمالية. فقد كشفت معطيات حديثة عن قيام جيش الكيان بشراء نحو 158 ألف متر مربع من الشباك السلكية، مع خطط لزيادة الكمية بنحو 188 ألف متر إضافية، وذلك بهدف حماية قواته المنتشرة في جنوب لبنان من هجمات الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله.

هذا التوجه يطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية منظومات الدفاع الجوي المتقدمة التي طالما شكلت ركيزة العقيدة العسكرية للكيان الصهيوني، مثل “القبة الحديدية” و”مقلاع داوود”، إلى جانب الأنظمة القائمة على الليزر والتكنولوجيا الفضائية. فعلى الرغم من التطور الكبير في هذه الأنظمة، إلا أنها تواجه تحدياً متزايداً أمام الطائرات المسيّرة الصغيرة التي تتميز بقدرتها على الطيران على ارتفاعات منخفضة، ما يجعل رصدها واعتراضها أكثر تعقيداً.

وتكمن دلالة هذه الخطوة في ما يُعرف عسكرياً بـ”فجوة التكلفة”، حيث تعتمد جهة ما على وسائل منخفضة التكلفة لإحداث تأثير كبير على خصم يمتلك منظومات باهظة الثمن. ففي هذه الحالة، تشير التقديرات إلى أن عدداً محدوداً نسبياً من العناصر، لا يتجاوز مئة عنصر، قادر على تشغيل مئات الطائرات المسيّرة البسيطة، الأمر الذي يفرض على جيش الكيان الصهيوني استنزاف موارد مالية وتقنية كبيرة لمواجهتها. هذا التباين يعكس تحولاً في ميزان الفاعلية، حيث لم تعد القوة التكنولوجية وحدها كافية لضمان التفوق الميداني.

وتؤدي الشباك السلكية، التي توصف بأنها “شبك صيد متطور”، وظيفة دفاعية مباشرة تقوم على اعتراض المسيّرات أو تفجيرها قبل وصولها إلى أهدافها، خاصة في المواقع العسكرية الثابتة أو نقاط تمركز الآليات. ورغم بساطة هذا الحل مقارنة بالأنظمة الدفاعية المتقدمة، إلا أنه يعكس محاولة للتكيف مع تهديد يصعب احتواؤه بالوسائل التقليدية، ما يعيد إلى الواجهة أهمية الحلول الميدانية منخفضة التقنية في الحروب الحديثة.

في السياق ذاته، تعزز تصريحات وزير الدفاع في الكيان الصهيوني، يسرائيل كاتس، من دلالة هذا التحول، حيث أقر بأن التهديد الذي تمثله الطائرات المسيّرة “حقيقي ومتزايد”، مؤكداً أن العمليات في جنوب لبنان لم تصل إلى نهايتها بعد. هذا التصريح يشير إلى نية الكيان الصهيوني الاستمرار في التمركز العسكري داخل المنطقة الحدودية، ما يعني أن الإجراءات الدفاعية الحالية، بما فيها استخدام الشباك السلكية، قد تتحول إلى جزء دائم من البنية الدفاعية الميدانية.

وعلى مستوى أوسع، تعكس هذه التطورات اتجاهاً متنامياً في النزاعات المعاصرة، حيث تتآكل الفوارق التقليدية في موازين القوة لصالح الفاعلين القادرين على توظيف أدوات بسيطة بفعالية عالية. فالمسيّرات الصغيرة، التي كانت تُعد في السابق أدوات محدودة التأثير، أصبحت اليوم أحد أبرز عناصر إعادة تشكيل قواعد الاشتباك، ما يفرض على الجيوش النظامية إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى لجوء جيش الكيان الصهيوني إلى الشباك السلكية باعتباره مجرد إجراء تكتيكي محدود، بل هو مؤشر على تحدٍ أعمق يواجه المنظومات العسكرية المتقدمة في التعامل مع تهديدات غير تقليدية، حيث تتقاطع البساطة مع الفعالية، وتتحول أدوات منخفضة الكلفة إلى عامل ضغط استراتيجي يعيد رسم معادلات القوة في الميدان.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.