مآلات ميديا – مآلات هندسية :
في واقعة مأساوية كشفت عن هشاشة الحماية في مواقع الإنشاء العالية، انهارت قبل أيام رافعة برجية بارتفاع 60 متراً داخل موقع إنشاء برج سكني في مدينة فورتاليزا البرازيلية، وتحديدًا في 3 مايو 2026، ما أدى إلى مقتل ثلاثة عمال وإصابة تسعة آخرين، إلى جانب أضرار مادية كبيرة في الهيكل الخرساني، و التوقف فعلياً لسير المشروع بأكمله. الرافعة التي كانت في وضع التشغيل سقطت بشكل جانبي خلال ثوانٍ، وسط مشاهد توتر وذعر بين العاملين، بعد أن فقدت توازنها تحت وطأة رياح قوية ومفاجئة، تحولت تلك اللحظة من عمل تقني روتيني إلى كارثة بشرية وصحية ومالية دفعت المسؤولين إلى فتح تحقيق موسّع في شروط السلامة والإجراءات التقديرية المتبعة.
من الناحية الهندسية، تُصمّم الرافعات البرجية لتحمل نطاقًا محدّدًا من سرعة الرياح، يُقدّر في الغالب بين 50 و70 كيلومتراً في الساعة أثناء التشغيل، أي أنها تُحسب بشكل مسبق على أساس قوى الشد والعزم التي تُمارسها الرياح على الذراع والجسم العلوي. وعندما تتجاوز سرعة الرياح هذا الحدّ، تنصح الأدلة الفنية والمعايير الدولية بوقف العمل فوراً وتفعيل وضعية “الدوران الحر” التي تسمح للرافعة بالدوران مع اتجاه الرياح، بحيث تُقلّل قدرة الهواء على إحداث عزم مدمّر عند قاعدة البرج، وتحول دون انتقال كامل الحمل إلى مفصل واحد أو نقطة ضعف محددة. في حادثة فورتاليزا، تشير المعطيات الأولية إلى أن سرعة الرياح كانت أعلى من الحدّ الذي يُسمح بالعمل خلاله، ما يجعل تساؤلات كبيرة حول سبب استمرار التشغيل، وحول ما إذا كان تم بالفعل تفعيل وضع الدوران الحر كما ينبغي.
يُضاف إلى هذا المعطى احتمال ضعف في تثبيت القاعدة نفسها، سواء على مستوى التربة، أو التثبيت الخرساني، أو الربط بالمسمّارات والأنكورات، ففي مثل هذه الحالات، يكون الجزء الأدنى من البرج هو الليّنة الحقيقية، وسرعان ما ينقل كل عزم الرياح إلى قاعدة ضعيفة، فيحدث تموّه وانهيار مفاجئ، لا يُمكن إيقافه بعد بدء الانحدار، خاصة إذا كانت الحمولة لا تزال معلّقة على الذراع، إذ تُضيف أي كتلة وزناً إضافياً يُعزّز اتجاه الرياح، ويزيد العزم، ويتسبب في تسريع الانهيار، ويمثل أي تأخير في إخلاء الحمولة خطاً أحمر في سلسلة الخطر، يُعدّ من أبرز أسباب تسارع انهيار الرافعات في الحالات المشابهة.
بالتالي، تعكس واقعة فورتاليزا حالة مختلطة من عوامل تقنية وإدارية، تجمع بين تجاوز معايير الرياح، واحتمال إغفال وضع “الدوران الحر”، وربما ضعف في تثبيت القاعدة أو تدقيقها، وتأخر في إخلاء الوزن، ما يُشكّل مزيجاً قاتلاً يحوّل الرافعة، في زمن قصير، من وسيلة إنشاء فعّالة إلى مواتٍ متحرّك. هذا الحادث يفرض إعادة النظر الجذرية في سياسات السلامة داخل مواقع الإنشاءات العالية، وتحديداً في المناطق الرياحية مثل الساحل، ويدفع الجهات التنظيمية في البرازيل ودول أخرى إلى تشديد الرقابة، وتفعيل آليات التوقّف الآلي عند تجاوز سرعة الرياح، وتدريب العاملين على تطبيق الإجراءات بشكل آني ودقيق، لأن السقوط لا يُعدّ خاطئاً مهندسياً عادياً، بل يُعدّ انفجاراً لسلسلة من الإهمالات، يذهب ضحيتها الدماء والأشلاء، وتصيب أسر الضحايا ومستقبل المشاريع نفسها.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















