م. فؤاد ابوراس – مآلات ميديا :
منذ هدنة أبريل 2022، يقف اليمن في منطقة شديدة التعقيد؛ فقد خفتت أصوات كثير من الجبهات، غير أن حياة الناس لم تدخل بعد إلى أفق السلام الذي ينتظرونه. توقفت مساحات واسعة من الاشتباك العسكري المباشر، لكن المعركة الأثقل انتقلت إلى الاقتصاد، والراتب، والعملة، والميناء، والبنك، والجمارك، والخدمات اليومية التي تمس المواطن في خبزه ودوائه وكرامته. وهنا تتكشف الحقيقة الأكثر إيلامًا: لم تُمنح البلاد فرصة كافية لتتحول الهدنة إلى بوابة تعافٍ حقيقي، إذ بقي اليمن محاطًا بضغوط اقتصادية وسياسية جعلت الهدنة أقرب إلى غرفة انتظار طويلة، يتراكم فيها الإنهاك بدل أن تتراكم فرص البناء.
لقد دخل اليمن هذه المرحلة وهو مثقل بإرث عدوان قاسي لم يقتصر آثاره على الميدان العسكري. فقد طال العدوان مؤسسات الدولة، ومصادر الدخل، والموانئ، والمطارات، والعملة، وسلاسل الإمداد، ورواتب الموظفين، وقدرة المجتمع على الإنتاج. ومع مرور السنوات، لم تتوقف أدوات الضغط عند حدود ما خلّفه العدوان من دمار وتعطيل، إذ استمرت إدارة المشهد عبر مسارات اقتصادية ومالية وسياسية أبقت اليمن في حالة إنهاك مستمر، موزعًا بين سلطات متعددة، ومناطق نقدية متفرقة، والتزامات مالية متداخلة، ومؤسسات اقتصادية منقسمة، بما يضعف قدرة البلاد على التقاط أنفاسها واستعادة تماسكها الوطني.
في هذا السياق، تبدو صنعاء أمام امتحان بالغ الصعوبة. فهي تتحمل عبء إدارة كتلة سكانية واسعة، ومؤسسات أنهكتها سنوات العدوان، وموظفين ينتظرون حقوقهم، وخدمات تحتاج إلى تمويل مستمر، ومجتمع أنهكته الأزمات المتلاحقة، بينما تُحاصر موارد الدولة السيادية، وتُدار أدوات الضغط من الخارج، وتُستخدم الملفات الإنسانية والمعيشية كورقة تفاوضية وسياسية. ومن غير المنصف قراءة أداء صنعاء بمعزل عن هذا الخنق المنهجي؛ فكل سلطة تحتاج إلى مواردها، وموانئها، ونظامها المصرفي، واستقرار عملتها، كي تتمكن من النهوض بمسؤولياتها تجاه الناس.
ومع ذلك، حاولت صنعاء أن تفتح مسارًا داخليًا للتغيير، وأن تنقل النقاش من مجرد الصمود في وجه العدوان إلى إصلاح مؤسسات الدولة ومعالجة التراكمات الإدارية والخدمية التي أثقلت حياة المواطن. جاء الحديث عن التغيير الجذري استجابة لحاجة حقيقية داخل المجتمع؛ فقد تعب الناس من تعقيد الإجراءات، وضغط الاحتياجات، وتراكم الأعباء على المؤسسات، وتعدد الالتزامات في ظل موارد محدودة وظروف استثنائية. كان المطلوب أن تتحول الهدنة إلى ورشة بناء، وأن ينتقل البلد من حالة الدفاع العسكري إلى حالة التعافي الإداري والاقتصادي، بما يعيد للمؤسسات قدرتها على خدمة الناس بصورة أكثر كفاءة وعدالة.
غير أن قوى العدوان ومن يدور في فلكها عملوا على إبقاء البلاد داخل مربع الاستنزاف. فبدل أن تُدفع الهدنة نحو تسوية عادلة تنهي الحصار، وتوحد الاقتصاد، وتفتح المطارات والموانئ، وتضمن دفع المرتبات من الثروات الوطنية، جرى تحويل الملفات الإنسانية إلى أدوات ابتزاز سياسي. الرواتب صارت ورقة تفاوض، والموانئ ساحة ضغط، والعملة وسيلة حرب، والبنك المركزي عنوانًا للانقسام، والاقتصاد الوطني موزعًا بين مناطق نفوذ تخدم مشروع التفتيت أكثر مما تخدم المواطن.
وهنا تتداخل الأزمة الاقتصادية مع الأعباء الإدارية بطريقة خطيرة. فحين تُحاصر الدولة في مواردها، وتتعدد مراكز القرار المالي، وتُقسم المؤسسات، وتُمنع التسوية الشاملة، تظهر بيئة معقدة قد يستغلها بعض المنتفعين عبر المضاربة والتهريب وفرض أعباء إضافية على المواطن خارج المسارات المؤسسية السليمة. وهذا يزيد من أهمية تعزيز الرقابة الداخلية، وتحسين الأداء المؤسسي، وإغلاق الثغرات التي قد يستغلها المنتفعون من الفوضى والحصار. فالأزمة لا تُقرأ من زاوية واحدة؛ إذ يتداخل فيها الضغط الخارجي مع صعوبة الإدارة في ظروف استثنائية، ومع حاجة المجتمع إلى مؤسسات أكثر قدرة على حماية مصالحه اليومية.
لقد أراد خصوم اليمن أن تتحول الهدنة إلى فخ سياسي واقتصادي؛ توقف للنار من دون سلام عادل، وضغط مالي بلا مسؤولية أخلاقية، وانقسام داخلي بلا أفق وطني جامع. وفي قلب هذه المعادلة يقف المواطن هدفًا غير معلن. فحين ينقطع الراتب، وحين ترتفع الأسعار، وحين تتعطل الخدمات، وحين تضيق فرص العمل، تبدأ الجبهة الاجتماعية بالتآكل، ويصبح الناس أكثر عرضة للغضب واليأس والهجرة والاستغلال.
إن استمرار هذا الوضع سوف يفتح الباب أمام كوارث تتجاوز حدود السياسة. فقد يدفع العقول والكفاءات إلى الهجرة، ويشجع رؤوس الأموال على الخروج، ويوسع مساحة التهريب والمضاربة والارتزاق، ويضعف القيم الاجتماعية تحت ضغط الفقر والحاجة. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تصبح المعركة أكبر من أي إطار إداري أو سياسي، لأنها تمس بقاء اليمنيين وقدرتهم على حماية مجتمعهم من التفكك. ومن يقرأ تفاصيل الحياة اليومية في الأسواق والمستشفيات ومكاتب الخدمات العامة، سيدرك أن العدوان الاقتصادي أشد خطورة من كثير من الجبهات العسكرية، لأنه يضرب الإنسان في خبزه وكرامته وأخلاقه واستقراره.
ومع ذلك، يظل اليمن بلدًا يملك شروط النهوض. هذه البلاد غنية بموقعها، ومواردها، وطاقة أبنائها. لديها النفط والغاز، والموانئ، والمضائق البحرية، والسواحل الطويلة، والذاكرة التجارية، والقدرة البشرية، والامتداد الجغرافي الذي يجعلها رقمًا مهمًا في التجارة الإقليمية والدولية. المشكلة أن هذه الموارد جرى تعطيلها أو محاصرتها أو تحويلها إلى أوراق صراع. والمفارقة المؤلمة أن اليمنيين يعيشون الضيق فوق أرض قادرة على إطعامهم، ويهاجر شبابهم من وطن يطل على أهم طرق الملاحة في العالم، وتتأخر رواتبهم بينما يمكن لثرواتهم الوطنية أن تكون أساسًا لتسوية عادلة ومعيشة كريمة.
إن معركة اليمن اليوم هي معركة استعادة القدرة على الحياة. فالسلام الحقيقي لا يُقاس بانخفاض أصوات المدافع وحدها، وإنما بعودة الراتب، واستقرار العملة، وفتح الموانئ والمطارات، وتوحيد الاقتصاد، وتخفيف معاناة المواطن، وتمكين المؤسسات من أداء دورها. ومن دون ذلك ستبقى الهدنة معلقة بين الوعد والخذلان، وسيبقى اليمنيون يدفعون ثمن حصار يُراد له أن ينهك الدولة والمجتمع معًا.
ولهذا، فإن الطريق إلى الإنقاذ يبدأ من تسوية عادلة ترفع الحصار، وتضمن الحقوق الاقتصادية، وتعيد الاعتبار للثروات الوطنية بوصفها ملكًا لكل اليمنيين، وتدعم في الوقت ذاته مسار الإصلاح المؤسسي من الداخل. فاليمن لا يحتاج إلى هدنة تُدار كاستراحة بين جولتين من الضغط، وإنما يحتاج إلى سلام يفتح الطريق أمام الدولة، والاقتصاد، والراتب، والخدمة العامة، وكرامة المواطن. عندها فقط يمكن أن تتحول الهدنة من انتظار طويل إلى بداية حقيقية للنهوض.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















