أثار إعلان رئيس الموساد ديفيد برنياع عن مقتل العميل السري المعروف بالرمز “M” في إيطاليا عام 2023 جدلاً واسعاً، بعدما قدّمه في سياق الحديث عن دور استخباري محوري ارتبط بالعمليات الإسرائيلية ضد إيران، ولا سيما عملية “زئير الأسد”. ويعكس هذا الاعتراف النادر مستوى الحساسية الذي يحيط بهذا الملف، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد فقدان عنصر ميداني، بل بخسارة شخصية يبدو أنها أدت دوراً في بناء جزء مهم من البنية التحضيرية للعملية، سواء عبر جمع المعلومات أو رسم مسارات الاختراق أو تسهيل الضربات التي نُفذت لاحقاً.

وفي المقابل، جاء الإعلان الإيراني عن إعدام مهدي فريد بتهمة التجسس لصالح الموساد ليضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد، خصوصاً مع ربط بعض الروايات الإعلامية بينه وبين الرمز “M”. غير أن هذا الربط لا يزال بحاجة إلى تدقيق، لأن كل طرف يعرض القصة من زاوية تخدم روايته السياسية والأمنية؛ فإسرائيل تقدّم “M” بوصفه ضابطاً استخبارياً راح ضحية مهمة خارجية، بينما تقدّم إيران فريد بوصفه جاسوساً كبيراً سرّب معلومات حساسة عن منشآت نووية وأمنية داخل البلاد. وبين الروايتين تتسع مساحة الدعاية، وتتراجع فيها الحقائق القطعية لصالح التأويل والرسائل المتبادلة.

الأرجح أن ما يجري ليس مجرد كشف عابر عن حادث فردي، بل جزء من حرب استخباراتية مفتوحة تُدار بوسائل متعددة، من بينها التسريبات والاعترافات الانتقائية والإعدامات العلنية. فإعلان برنياع لم يأتِ فقط لتكريم عنصر سري قُتل في الخارج، بل أيضاً ليؤكد أن الموساد يمتلك شبكة عمل معقدة استطاعت أن تنفذ إلى عمق الخصم وتترك أثراً عملياً في ميدان الصراع. وفي المقابل، تحاول إيران عبر إعلان الإعدام أن تبعث برسالة مضادة مفادها أنها نجحت في اختراق هذه الشبكات وكشفها وضربها من الداخل.

أما حادثة الغرق في إيطاليا، فلا توجد حتى الآن معطيات موثقة كافية تجعل من السهل الجزم بأنها كانت عملية تصفية إيرانية. ما هو متاح يشير إلى انقلاب قارب في ظروف غامضة خلال لقاء استخباري، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام أكثر من احتمال، لكن دون دليل قاطع يحسمه لصالح فرضية الاغتيال. لذلك فإن الربط بين الحادثة وبين إعدام مهدي فريد يبقى في هذه المرحلة أقرب إلى السردية السياسية المتبادلة منه إلى الحقيقة النهائية.

وبهذا المعنى، فإن القضية كلها تكشف عن مشهد استخباري بالغ التعقيد، حيث تختلط الوقائع بالرموز، وتتحول الأسماء المستعارة والملفات القضائية والإشارات الإعلامية إلى أدوات في معركة أوسع من حدود كل حادثة منفردة. والنتيجة أن الطرفين يحاولان تثبيت صورة الانتصار، بينما الواقع يوحي بأن الصراع الاستخباري بينهما ما يزال مفتوحاً على مزيد من التسريبات، والمفاجآت، والتوظيف الدعائي.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.