مآلات ميديا – متابعات :
لم يعد الحدث مجرد قرار أمريكي بسحب آلاف الجنود من ألمانيا، ولا مجرد فتور في الرد على تهديدات الخليج، بل بدا كأنه اختبار واسع لما تبقى من الثقة في التحالفات التي بنتها واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد أعلن البنتاغون سحب نحو 5 آلاف جندي أمريكي من ألمانيا خلال ستة إلى اثني عشر شهراً، بينما نقلت تقارير أن القرار فاجأ حلفاء الناتو وأعاد إلى الواجهة سؤال التزام واشنطن بالدفاع الأوروبي في لحظة توتر مع روسيا وحرب أوسع في الشرق الأوسط.

غير أن رمزية القرار بدت أثقل من حجمه العسكري، لأن ألمانيا ليست قاعدة عادية في الانتشار الأمريكي، بل عقدة لوجستية واستخباراتية وقيادية تشمل رامشتاين ومقار القيادة الأمريكية في أوروبا وأفريقيا. ويرى مجلس العلاقات الخارجية أن سحب 5 آلاف جندي قد لا يهدم ميزان الردع وحده، لكنه يبعث برسالة سياسية قاسية إلى أوروبا، خصوصاً إذا ترافق مع التلويح بخفض أكبر أو تعطيل نشر صواريخ بعيدة المدى كان يُنظر إليها كجزء من ردع روسيا.

ومن هنا جاء الرد الأوروبي أقرب إلى الاعتراف المتأخر بأن الاتكال على واشنطن لم يعد بوليصة تأمين مضمونة. فقد قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن التطور يبرز الحاجة إلى تعزيز “الركن الأوروبي” داخل الناتو، فيما أشار قادة أوروبيون إلى ضرورة أن تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها، وهي لغة تعكس انتقالاً من طلب الطمأنة إلى بناء البدائل.

لكن المفارقة أن هذا التشقق جاء بعد أشهر من إقرار الناتو هدفاً دفاعياً غير مسبوق، إذ تعهد الحلفاء في قمة لاهاي باستثمار 5% من الناتج المحلي سنوياً بحلول 2035، منها 3.5% للإنفاق الدفاعي الأساسي و1.5% للبنية التحتية والجاهزية والصناعة الدفاعية. ورغم أن إعلان الناتو أعاد تأكيد الالتزام الصارم بالمادة الخامسة، فإن رفع الإنفاق بهذا الحجم بدا أيضاً استجابة عملية لعالم لم تعد فيه الضمانة الأمريكية وحدها كافية لإنتاج الردع.

وفي الخليج، تعود جذور الشك إلى لحظة مفصلية في سبتمبر 2019، حين استهدفت هجمات منشأتي بقيق وخريص السعوديتين وأوقفت 5.7 مليون برميل يومياً، أي أكثر من نصف صادرات السعودية اليومية وأكثر من 5% من الإنتاج العالمي. يومها قال ترامب إن الهجوم كان على السعودية “وليس علينا”، وأكد أنه لم يتعهد بحماية السعوديين، رغم استخدامه عبارة “مستعدون ومذخرون” في سياق انتظار التحقق من الجهة المسؤولة.

وبذلك اكتشف الخليج أن شراء السلاح الأمريكي لا يساوي بالضرورة تدخلاً أمريكياً آلياً، وأن العلاقة مع واشنطن قد توفر أنظمة دفاع وتدريباً واستخبارات، لكنها لا تلغي حسابات البيت الأبيض السياسية. وتشير تحليلات حديثة إلى أن السعودية وقطر أعادتا تقييم الاعتماد على الضمانة الأمريكية، مع بقاء الولايات المتحدة الشريك الأمني الأعمق والأكثر قدرة، ولكن ضمن اتجاه أوسع نحو التنويع لا القطيعة .

وتحوّل هذا الإدراك إلى سياسة دفاعية ملموسة، إذ باتت دول الخليج تبحث عن طبقات حماية أرخص وأكثر مرونة في مواجهة المسيّرات والصواريخ، بدلاً من الاعتماد الحصري على صواريخ باتريوت باهظة الكلفة. وتذكر دراسة معهد دول الخليج العربية في واشنطن أن الولايات المتحدة ظلت بين 2021 و2025 المورّد الأكبر للسلاح إلى السعودية بنسبة 77%، ولقطر بنسبة 48%، وللكويت بنسبة 62%، وللإمارات بنسبة 42%، لكنها ترصد في الوقت نفسه اندفاعاً نحو كوريا الجنوبية وأوكرانيا وبريطانيا وأنظمة اعتراض منخفضة الكلفة بعد موجات الهجمات الإيرانية.

أما في آسيا، فإن القلق ذاته اتخذ وجهاً آخر، إذ بات حلفاء واشنطن في المحيطين الهندي والهادئ يشعرون بأن الالتزام الأمريكي يأتي مشروطاً بمطالب إنفاق أعلى ومواقف أوضح ضد الصين. فقد تحدث تشاتام هاوس عن مطالب أمريكية لرفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات كبيرة، وعن دفع اليابان وأستراليا إلى توضيح أدوارهما في حال اندلاع حرب حول تايوان، وعن مراجعة محتملة لاتفاق أوكوس، بما جعل الحلفاء الآسيويين يدركون أن الاعتماد على واشنطن قد يعني أيضاً قبول شروطها لا مجرد الاستفادة من حمايتها.

وهكذا تتلاقى برلين والرياض وطوكيو على سؤال واحد بصيغ مختلفة: هل ما زالت أمريكا ضامناً أم أصبحت طرفاً يساوم على الضمانة؟ استطلاع مركز بيو في 24 دولة أظهر أن صورة الولايات المتحدة تراجعت في 15 دولة منذ الربيع السابق، وأن أكثر من نصف المشاركين في 19 دولة لا يثقون بقيادة ترامب للشؤون العالمية، وهي أرقام تشرح لماذا لم يعد القلق من واشنطن شأناً نخبوياً داخل العواصم، بل مزاجاً سياسياً عاماً في مجتمعات حليفة.

ومن زاوية استراتيجية، لا يعني ذلك أن العالم دخل فوراً مرحلة “ما بعد أمريكا”، لأن لا أوروبا ولا الخليج ولا آسيا تملك بديلاً مكتملاً عن القوة العسكرية الأمريكية أو شبكاتها الاستخباراتية واللوجستية. لكنه يعني أن زمن التفويض المفتوح انتهى، وأن الحلفاء بدأوا ينتقلون من منطق الحماية إلى منطق التحوّط، ومن سؤال “ماذا ستفعل واشنطن لنا؟” إلى سؤال “ماذا نفعل إذا لم تفعل واشنطن شيئاً؟”

في الخلاصة، لا يفكك ترامب التحالفات الأمريكية بقرار واحد، بل يسرّع تآكل الثقة التي كانت تمنح تلك التحالفات معناها السياسي قبل معناها العسكري. وإذا كانت واشنطن ما زالت القوة التي لا غنى عنها، فإنها لم تعد القوة التي لا يُسأل عن نواياها، وهذا هو التحول الأعمق: لم تسقط المظلة الأمريكية، لكنها لم تعد تحجب المطر وحدها، ولذلك بدأ الحلفاء يفتحون مظلاتهم الخاصة قبل العاصفة التالية.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.