مآلات ميديا – الكويت
تواصل السلطات الكويتية حملتها الواسعة لمراجعة ملفات الجنسية، في مسار تصاعدي يعكس تحوّلاً واضحاً في مقاربة الدولة لهذا الملف الحساس. وقد نشرت الجريدة الرسمية «الكويت اليوم» مؤخراً ستة مراسيم أميرية تقضي بسحب الجنسية الكويتية من نحو 1300 شخص، إضافة إلى زوجاتهم وأبنائهم الذين اكتسبوها بالتبعية، في خطوة تعكس توجهاً أكثر صرامة لإعادة ضبط معايير الانتماء القانوني للدولة. جاءت هذه المراسيم استناداً إلى توصيات اللجنة العليا لتحقيق الجنسية، وبالاعتماد على المادة 13 من قانون الجنسية لعام 1959 المعدل، والتي تتيح سحب الجنسية في حالات ثبوت الغش أو الإدلاء ببيانات غير صحيحة أو ارتكاب أفعال تمس الشرف والأمانة، كما تشمل الحالات التي ترى فيها الدولة أن مصلحتها العليا تقتضي ذلك، بما في ذلك الجنسيات الممنوحة تحت بند «الأعمال الجليلة» في مجالات مختلفة كالمجال الرياضي.

ويكتسب هذا الملف حساسيته المتزايدة من طبيعة الأسماء التي طالتها قرارات السحب، حيث لم تقتصر على حالات هامشية أو مجهولة، بل امتدت إلى شخصيات ذات حضور رمزي في الذاكرة الوطنية والرياضية. من بين هذه الحالات ابنة الشهيد سعد مشعل العنزي، الذي يُعد من أوائل الأسرى الذين قُتلوا خلال الغزو العراقي للكويت عام 1990، حيث أُدرج اسمها ضمن قوائم السحب إلى جانب أفراد من عائلتها، في سياق مراسيم متعاقبة مترابطة، وهو ما أثار تساؤلات عميقة حول حدود الاعتبارات القانونية حين تتقاطع مع الرمزية الوطنية. كما شملت القرارات الحارس الدولي السابق نواف الخالدي، أحد أبرز نجوم المنتخب الكويتي، والذي خاض أكثر من مئة مباراة دولية بين عامي 2000 و2014، إلى جانب صالح الشيخ الهندي، لاعب القادسية البارز من فئة «البدون»، الذي مُنح الجنسية عام 2006 تقديراً لإنجازاته الرياضية الاستثنائية، بعدما أسهم في تحقيق عدد كبير من البطولات المحلية والإقليمية. هذا الامتداد في نطاق القرارات يضع تاريخ الإنجاز الرياضي الكويتي أمام مراجعة قاسية، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين التكريم المؤقت والاعتراف المستدام.

ولا تبدو هذه الحالات معزولة عن سياق أوسع، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد المسحوبة جنسياتهم منذ عام 2024 بلغ آلافاً، وربما يصل إلى عشرات الآلاف، في موجة تُعد الأوسع منذ عقود، وتشمل في نطاقها نساءً وأطفالاً بحكم التبعية القانونية. وتُقدَّم هذه الإجراءات ضمن خطاب رسمي يركز على تصحيح ما يوصف بـ«التجنيس غير القانوني»، في ظل سعي الدولة إلى إعادة بناء سجلها السكاني على أسس أكثر دقة وانضباطاً.

على المستوى الاستراتيجي، تبرر السلطات هذه الحملة باعتبارات تتعلق بحماية الأمن الوطني والحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي، خاصة في ظل اختلال التوازن الديموغرافي في دولة يبلغ عدد مواطنيها نحو 1.5 مليون نسمة مقابل أعداد كبيرة من المقيمين. وقد رافق ذلك إدخال تعديلات قانونية وإجرائية تهدف إلى سد الثغرات التي كانت تتيح منح الجنسية عبر مسارات مختلفة، بما في ذلك الزواج أو «الأعمال الجليلة»، إلى جانب توسيع الاعتماد على الفحوصات البيومترية والبصمات الوراثية لكشف حالات التزوير أو الادعاء غير الصحيح. وفي هذا السياق، تتقاطع الأبعاد القانونية مع الأبعاد الاقتصادية، حيث تسهم هذه السياسات في إعادة تنظيم الاستفادة من الموارد العامة، مثل الدعم الحكومي وفرص التوظيف.

في المقابل، يثير هذا المسار جملة من التداعيات الاجتماعية والسياسية التي لا يمكن تجاهلها، إذ تتنامى المخاوف من تأثيره على التماسك الداخلي، خصوصاً في ظل شمول قرارات السحب لعائلات ذات رمزية وطنية أو امتداد قبلي واسع. كما يفتح الباب أمام نقاشات حساسة تتعلق بمفهوم الولاء وحدود الانتماء، في بيئة اجتماعية معقدة بطبيعتها. وعلى الصعيد الحقوقي، تتزايد التحذيرات من انعكاسات هذه الإجراءات على التزامات الكويت الدولية، في ظل دعوات من منظمات حقوقية لمراجعة آليات السحب وضمان عدم المساس بالحقوق الأساسية للأفراد، خاصة في الحالات التي تمتد آثارها إلى أفراد الأسرة.
وفي تقدير تداعيات هذه السياسة على المدى القريب والبعيد، تتكشف صورة مركبة تتداخل فيها الاعتبارات السيادية مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية، إذ قد تحقق هذه الإجراءات مكاسب آنية تتمثل في إعادة ضبط البنية الديموغرافية وترشيد الاستفادة من الموارد العامة، غير أن آثارها الممتدة قد تفتح الباب أمام تحولات أعمق، تتجلى في اتساع شريحة عديمي الجنسية، وتراجع الإحساس بالاستقرار الاجتماعي لدى بعض الفئات، فضلاً عن احتمالات تصاعد الجدل القانوني والحقوقي داخلياً وخارجياً، بما يضع الدولة أمام اختبار دقيق في موازنة مقتضيات الحوكمة والسيادة مع متطلبات التماسك المجتمعي والاستدامة الوطنية.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.