م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا :
في جنوب لبنان، وسط غبار الممرات الحدودية وحطام المنازل والأديرة، تُكشف بوضوح وسط محرقة يارون ودبل وبنت جبيل، حقيقة العقيدة الصهيونية في التدمير، التي لم تعد بحاجة إلى تفسيرات أيديولوجية بعيدة، بل تُترجم فعلياً في مآذن المساجد وأجراس الكنائس التي تُستهدف بوحشية واحدة، كأنها لا تختلف في عين المحتل عن بعضها، سوى في شكل الحجر ونوع الأذان أو الترانيم. الاعتداءات الصهيونية الهمجية على دير ومدرسة راهبات المخلّص في يارون، وعلى المقدسات في بنت جبيل ودبل، تُعيد إحياء صورة “الأرض المحروقة” كسياسة معلنة؛ سياسة تستهدف ليس فقط إضعاف قدرات المقاومة، بل اقتلاع الهوية اللبنانية من جذورها الطقسية والروحية، حين تُقتلع المأذنة وتُهدم الكنيسة في وقت واحد، وتُستبدَل الصلوات والسجود بسُحُب الدخان وصوت الرفاص.
الأكاذيب التي يحاول الاحتلال الصهيوني تبرير جرائمه من خلالها، عن مخازن أسلحة مزيفة أو مراكز قيادة مزعومة، تتهاوى في مواجهة المشهد الميداني الذي يُظهر أن الصاروخ نفسه الذي ضرب المأذنة هو الذي تهشّم تمثال المسيح، في محاولة يائسة لضرب روح الصمود، لا تدمير مادّي، فهدفه أن يُعلّم المجتمع أن لا مأوى له، لا في الجامع ولا في الكنيسة، وأن تراب الجنان والصلوات لا تُعدّ سداً موازياً لسياج دفاعي عن الوجوه. وسط هذه الاغتيالات المعنوية، تُصبح المآذن والأجراس نقطة تلاقي رمزية، كأنها تُعانق بعضها في محرقة الاعتداء، لا في احتفالات العيد، فتُختزل مأساة لبنان في لقطة واحدة: عندما تُهدم جدران المقدسات في آنٍ واحد، يُفترض أن تُفهم رسالة العقيدة الصهيونية الجديدة: لا فرق بين مسجد ومسجد، ولا بين كنيسة وكنيسة، بل هناك “عدو” واحد يُفترض أن يُمحى وجوده من الجغرافيا، حتى لو اقتضى ذلك تفكيك النسيج الاجتماعي ذاته.
في هذا السياق، يبرز خطر “صهاينة الداخل”، هؤلاء الذين يُمارسون دور الطابور الخامس، عبر بث الفتنة، وتوظيف الفروق المذهبية، وتحويل الحرب الصهيونية إلى مادة ملائمة للإثارة، في محاولة لضرب الجبهة الداخلية، وفتح شقوق مذهبية وطائفية تكون مدخلاً للاحتلال، لا ممراً مقاوماً. الرئيس نبيه بري، في مواجهة هذه المخاطر، أطلق صرخته الحاسمة: “حذارِ من الفتنة”، في إشارة واضحة إلى أن المعتدي هو واحد، وأن المستهدف هو كل لبناني متمسك بأرضه، لا فئة دينية أو مذهبية بعينها. هذا الموقف يُعيد رسم خط أحمر داخلي، يُحمّل صهاينة الداخل ومرجعياتهم مسؤولية مضاعفة، لأنهم لا يُقدمون على خيانةٍ لطاقم بسيط من الحزب، بل على خيانةٍ لمكوّن الهوية الوطنية ذاتها، وهم يُمسكون بالحبل السري بين المقاومة والمجتمع.
الأجدر قراءة ما يجري في يارون وبنت جبيل على أنه اختبار مزدوج: الاختبار الأول للعدوان، حين يُقدّم مآذنه وكنائسه كأمثلة للعقيدة التدميرية، والثاني للمجتمع، حين يُجبر على أن يختار بين الاستسلام للفتنة، أو تجسيد الوحدة الوطنية كصخرة لا تُقهر. الواضح حتى الآن أن الوعي الشعبي، الذي يرفض التحريض، ويُعلي شعار “المقاومة تحمي الجميع”، يُشكل درعاً ضد المخطط الصهيوني، ويدفع الاحتلال الصهيوني إلى مزيد من العنف العشوائي، لعلّه يكسر ذلك الوحدة، لكن ما يُثبت يوماً بعد يوم أن الغضب، والتضامن، وخطاب الزعماء الميدانيين، لا تُبنى على طائفية مُفتعلة، بل على إدراك أن المعركة في جنوب لبنان ليست معركة مذهب، بل معركة وطنية وجودية، فيها تتعانق مآذن وسط المحرقة، لا كتقليدٍ رمزي، بل كإقرار ميداني بأن الاحتلال لا يُميّز بين مسيحي ومسلم، طالما يُجد في كلاهما “عدواً” يجب أن يُمحى من الوعي قبل أن يُمحى من الأرض.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















