مآلات ميديا – جنوب لبنان:
لم يكن سبت الشمال يوماً عابراً في روزنامة الاشتباك المفتوح، بل حلقة جديدة في تحوّل ميداني يتجاوز عدد الضربات إلى معنى الضربة نفسها؛ ففي 9 أيار/مايو 2026 أعلن حزب الله أنه استهدف آلية عسكرية تابعة للكيان الصهيوني في خلّة الراج ببلدة دير سريان عند الساعة 9:35 بمحلّقة انقضاضية، ثم استهدف بعد عشر دقائق تجمعاً لجنود جيش الكيان الصهيوني في الموقع نفسه، قبل أن يعلن عند 16:55 إصابة جرّافة تابعة للكيان الصهيوني في المنطقة ذاتها بمحلّقة انقضاضية أخرى. وجاءت هذه العمليات، وفق بيانات الحزب، رداً على خروقات وقف إطلاق النار والاعتداءات التي طالت قرى الجنوب اللبناني وأوقعت شهداء وجرحى مدنيين، بما يجعلها في سردية المقاومة انتقالاً من ردّ الفعل إلى تثبيت معادلة ردع يومية على خطوط التماس.

لكن دلالة المشهد لا تقف عند دير سريان؛ فالأيام السابقة رسمت خريطة ضغط أوسع، من مسغاف عام حيث أقرّت وسائل إعلام الكيان الصهيوني بإصابة شخصين وتدمير مركبة جراء مسيّرة لحزب الله عبرت إلى شمال فلسطين المحتلة، إلى شلومي التي كانت قد تضررت فيها بناية سكنية بعد إطلاق صواريخ ومسيّرات من لبنان. وبين هذه النقاط، تحولت المسيّرة الصغيرة إلى رسالة استراتيجية كبيرة: كل تموضع عسكري وكل آلية هندسية وكل محاولة ترميم ميداني داخل الحزام الحدودي باتت عرضة للرصد والمطاردة والضرب.

وما يزيد وقع الحدث أن اعترافات الكيان الصهيوني لم تعد تتحدث عن اختراقات نادرة، بل عن معضلة متكررة؛ فقد أقر جيش الكيان الصهيوني، بحسب تقارير عبرية، بإصابة ثلاثة جنود في 8 أيار/مايو بهجمات مسيّرات متفجرة أطلقها حزب الله، بينهم جندي أصيب بجروح خطيرة وآخران بجروح متوسطة. كما تحدثت وسائل إعلام عبرية عن صفارات إنذار في الشمال، وعن قصف صاروخي باتجاه الجليل الغربي، وعن مسيّرة لحزب الله عُثر عليها فوق مدرسة في نهاريا، في مشهد يكشف اتساع الأثر النفسي والأمني لما يجري فوق سماء المستوطنات.

ومن هنا تصبح المسألة أعمق من إصابة آلية أو جرّافة؛ فالإعلام العبري أقر بأن حزب الله حقق قفزة واضحة في قدرات وتكتيكات المسيّرات، وأن المسيّرات الانقضاضية من نمط FPV وجدت طريقها مراراً إلى مواقع جنود الكيان الصهيوني في جنوب لبنان. وفي قراءة عسكرية لا تخلو من القلق، أقرّت تقارير عبرية بأن الإجراءات المضادة لدى الكيان الصهيوني غير كافية، وأن مقاربة المنطقة العازلة في لبنان تصبح أكثر هشاشة ما دامت القوات البرية مكشوفة أمام هذا النوع من السلاح الرخيص والدقيق.

ولذلك بدا تصريح نتنياهو عن إطلاق مشروع خاص لمواجهة تهديد المسيّرات، مع اعترافه بأن الحل “سيستغرق وقتاً”، أشبه بإقرار سياسي بأن زمن التفوق الجوي المطلق لم يعد قابلاً للبيع للجمهور داخل الكيان الصهيوني كما كان. فحين تضطر قيادة الكيان إلى البحث عن مشروع جديد لمواجهة مسيّرات صغيرة، بعضها موجّه بالألياف الضوئية ومحصّن عملياً ضد التشويش الإلكتروني، فهذا يعني أن المقاومة لم تكسر هدفاً ميدانياً فحسب، بل كسرت نمطاً كاملاً من الطمأنينة العسكرية التي قامت عليها عقيدة الردع لدى الكيان الصهيوني.

في القراءة الاستراتيجية، تكشف عمليات خلّة الراج ودير سريان ومسغاف عام وشلومي عن انتقال المقاومة من إدارة الاشتباك بالنار التقليدية إلى هندسة بيئة استنزاف دقيقة، تُجبر جيش الكيان الصهيوني على التحرك تحت سقف تهديد دائم. وكلما حاولت قوات الاحتلال تثبيت وجودها أو حماية جرّافاتها أو إخلاء آلياتها أو طمأنة مستوطنيها، ظهرت المسيّرة كعين هجومية صغيرة تقول إن السيطرة ليست لمن يملك السماء نظرياً، بل لمن يستطيع تحويلها إلى ساحة اشتباك فعلية.

بهذا المعنى، لم يكن “سبت الشمال الدامي” مجرد يوم في سجل العمليات، بل عنواناً لانكشاف أوسع: جبهة الشمال لم تعد هامشاً قابلاً للضبط بالنار والغارات والبيانات، بل مسرحاً تتراكم فيه كلفة الاحتلال سياسياً وعسكرياً ونفسياً. وإذا استمرت المقاومة في هذا النسق التصاعدي، فإن المآل الأرجح هو مزيد من الضغط على المستوطنات الحدودية، ومزيد من الشك داخل مؤسسة الكيان الصهيوني في جدوى البقاء داخل مناطق مكشوفة، ومزيد من التآكل في صورة القبة التي قُدمت طويلاً كدرع لا يُثقب، فإذا بها أمام سرب صغير تتحول إلى سؤال كبير.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.