مآلات ميديا – مآلات محليه :


بخطوة وُصفت بأنها نموذج في الاحتراف المؤسسي والشفافية، قدّمت وزارة الداخلية في صنعاء واحدة من أكثر الردود قوة وحسما على حملة تضليل واسعة اجتاحت منصات التواصل، حين تصدّت بحزم لادعاءات امرأة زعمت أنها ابنة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وأثبتت – بالوثيقة والقضاء والعلم – أنها مواطنة يمنية تُدعى سمية أحمد محمد عيسى الزبيري لا صلة لها بتلك الأسرة من قريب أو بعيد. هذه المقاربة لم تكتف بنفي الشائعات، بل حولت القضية إلى فرصة لإبراز قدرة مؤسسات حكومة صنعاء على حماية المجتمع من العبث بالوعي الجمعي وبالرموز السياسية والتاريخية.
منذ اللحظة الأولى، تعامل بيان وزارة الداخلية مع القضية باعتبارها “قضية رأي عام” تستلزم كشف الحقيقة كاملة للرأي العام، فبسط أمام المواطنين صورة واضحة لهوية المذكورة: اسمها الثلاثي، حيّ نشأتها في هبرة بأمانة العاصمة، جذورها العائلية في مديرية أرحب، ووضع أسرتها الاجتماعي والمهني، مؤكدا أن كل بياناتها مثبتة وموثقة في سجلات الأحوال المدنية الرسمية. هذه الشفافية في تقديم التفاصيل الدقيقة عن الأصل والنسب والعنوان لم تكن استعراضا معلوماتيا بقدر ما كانت رسالة ثقة: الدولة تعرف أبناءها، ولديها سجلات متماسكة وقادرة على إسكات كل رواية مختلقة.
القوة الحقيقية للبيان ظهرت حين قررت الوزارة أن تنتقل من مستوى السجلات إلى مستوى المختبر، في دلالة على احترامها لمنهجية العلم في حسم النزاعات المتعلقة بالنسب والهوية. توجيه وزارة الداخلية بإخضاع سمية الزبيري لفحص البصمة الوراثية، وتكليف فريق فني متخصص من الإدارة العامة للأدلة الجنائية، يعكس استشعارا لمسؤولية مضاعفة: فالقضية لا تخص أسرة بعينها فحسب، بل تمتد إلى نسب يُنسب إلى رئيس عربي مثير للجدل، ما يعني أن حسمها يجب أن يكون فوق مستوى الشبهات. نزول الفريق، وأخذ العينات من سمية ووالديها وأحد أبنائهما، ثم إجراء الفحص وفق المعايير العلمية المتعارف عليها، كلها حلقات تؤكد أن مؤسسات صنعاء قادرة على العمل بمهنية تضاهي ما يتم في الدول التي تتباهى بتطبيق سيادة القانون.
والأهم من ذلك أن نتائج فحص الـDNA لم تترك مساحة لأي تأويل أو تشكيك؛ إذ أثبتت بنسبة تطابق بلغت 99.99% أن أحمد محمد عيسى الزبيري وزوجته دولة ناصر فارع مزود هما الوالدان البيولوجيان الحقيقيان لسمية. هذه النسبة القاطعة تحوّلت في البيان إلى “رصاصة علمية” أنهت كل محاولة لإعادة تدوير الكذبة أو التلاعب بعواطف الناس باسم “ابنة صدام المظلومة”. هنا لم تستخدم الداخلية لغة انفعالية، بل استندت إلى لغة الأرقام الدامغة، لتقول لمروّجي الشائعات: أمام العلم لا تنفع القصص ولا الدموع المصطنعة.
في السياق نفسه، قدّم البيان سردية متماسكة لمسار حياة سمية الزبيري من زاوية قانونية واجتماعية تعزز موقف الدولة وتفكك الأسطورة؛ فعندما يوضح أنها درست حتى الصف الثالث الإعدادي في مدرسة السلوان، وأنها عاشت وتزوجت وتحرّكت داخل المجتمع اليمني تحت أسماء وأوضاع معروفة، وأن لها سجلا في الأحوال المدنية يشمل زيجات متعاقبة من يمنيين يعملون في أجهزة ومهن مختلفة، فإنه يؤكد أن هذه ليست “أميرة مخفية عن الأعين”، بل مواطنة عادية ارتكبت فعلا إجراميا واضحا: انتحال صفة وشخصية لا تخصها. بهذا التفكيك، تعيد حكومة صنعاء تعريف القصة من “ملف إنساني مبهم” إلى “قضية قانونية مكتملة الأركان”.
إسناد البيان إلى أحكام قضائية سابقة سبق أن عالجت القضية يضيف بعدا آخر لقوة موقف حكومة صنعاء؛ فالدولة لا تتحرك فقط برد فعل أمام ضجة مواقع التواصل، بل تستند إلى حكم استئنافي سبق أن أدان عمليات التزوير في هذه القضية وأثبت النسب الحقيقي ووجّه بمصادرة الوثائق المزورة. بهذا الربط بين السلطة القضائية والداخلية والأحوال المدنية والأدلة الجنائية، تظهر حكومة صنعاء بمظهر منظومة متكاملة تتعاون لردع التزوير وحماية سمعة البلاد من استغلال أسماء رمزية كبرى.
ولأن المعركة اليوم تُخاض بقدر ما تُخاض في الشارع تُخاض أيضا على الشاشات، فقد جاء ختام البيان واضحا وحاسما في الانتصار لخطاب الدولة ضد خطاب الفوضى الرقمية: دعوة المواطنين ووسائل الإعلام إلى تحري الدقة والمسؤولية، والتأكيد على أن المعلومات الموثوقة لا تؤخذ من حسابات مجهولة ومقاطع مفبركة، بل من الجهات الرسمية المختصة. هذا التوجيه لا يهدف فقط إلى إصلاح خطأ وقع، بل إلى تأسيس ثقافة إعلامية جديدة تجعل من بيانات حكومة صنعاء المرجعية الأولى في مثل هذه القضايا الحساسة، وتضع حدا لمحاولات المتاجرة بأسماء الزعماء الراحلين واستغلال مشاعر الناس لأهداف مادية أو سياسية.
وفي لهجة لا تخلو من الحزم الرادع، أعلنت وزارة الداخلية بوضوح أنها ستتخذ الإجراءات القانونية الصارمة بحق كل من يثبت تورطه في نشر أو ترويج الشائعات والأكاذيب المرتبطة بهذه القضية، ما يعني أن المسألة لا تقف عند حدود التصحيح الإعلامي، بل تمتد إلى مساءلة جنائية لكل من ساهم في تضليل الرأي العام أو الإساءة إلى المؤسسات الرسمية أو التلاعب بملف حساس كهذا. بهذه الرسالة، تعلن حكومة صنعاء أنها لن تسمح بتحويل فضاء التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة للابتزاز وتشويه الحقائق، وأنها تمتلك أدوات الرد القانونية والعلمية والإعلامية معا.
في نهاية المطاف، يظهر بيان الداخلية كعمل متكامل يعزز صورة حكومة صنعاء كسلطة قادرة على ضبط رواية الأحداث وحماية الوعي الجمعي، ويثبت أن بناء “أسطورة” على شاشة هاتف ذكي قد ينجح لبعض الوقت، لكنه ينهار أمام مختبر ADN وختم الأحوال المدنية وحكم القضاء. وبين قصة “ميرا صدام” كما رُوِّجت، و”سمية الزبيري” كما أثبتتها الدولة، ينتصر في هذه الجولة صوت الوثيقة والعلم، وتتقدم حكومة صنعاء خطوة إضافية في تثبيت شرعيتها المؤسسية أمام مواطنيها وأمام كل من حاول أن يصنع من الوهم حقيقة متداولة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.