مآلات ميديا – متابعات :

انتقل الصراع بين واشنطن والغرب، تحديداً مع ألمانيا، من مستوى الخطاب السياسي المرتفع إلى صعيد تصفية حسابات ميدانية ملموسة، تُظهر تحوّلاً واضحاً في طبيعة العلاقات التحالفية التي ظنّها الغرب “لا يمكن تفككها” بعد الحرب الباردة. في قلب هذا المشهد، أعلنت الولايات المتحدة رسمياً سحب نحو 5 آلاف جندي أمريكي من الأراضي الألمانية، في خطوة تُعدّ رسالة سياسية مباشرة تُعلن أن المظلة العسكرية الأمريكية لم تعد تُقدّم كـ”ضمانة مطلقة” لأمن أوروبا، وإنما كمنحة قابلة للانسحاب، وفق مزاج القيادة الأمريكية وحساباتها الداخلية والإقليمية. القرار، الذي يُتوقع أن يُنفَّذ على مدى ستة إلى اثني عشر شهراً، أثار ذهولة في الأوساط السياسية الأوروبية، وسط تساؤلات حول ما إذا كان هذا التراجع يُمثّل مجرد تجاذب مرحلي، أم إنّه بداية فصل جديد في سياق الاستقلال التدريجي لأوروبا عن الحماية الأمريكية، وسط توتر متزايد على خلفية مواقف ألمانيا من حرب إيران، وسجال علني حاد بين الرئيس ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي وصف السياسة الأمريكية بالتعرض للإذلال، بينما رد ترامب باعتبار أداء ألمانيا “سيئاً للغاية” على الصعيد الاقتصادي والدبلوماسي.

لم يتوقّف الأمر عند الأمن العسكري، بل امتدّ إلى قلب الاقتصاد الألماني حين بدأت واشنطن برفع الرسوم الجمركية على السيارات الأوروبية، ورفعها من 15٪ إلى 25٪، في خطوة محسوبة تُستهدَف بها صناعة السيارات الألمانية، وهي أحد ركائز الاقتصاد القومي، ورمز القوة الصناعية للبلاد. التقديرات الصادرة عن معهد كيل للاقتصاد العالمي تشير إلى أن خسائر قطاع السيارات الألماني قد تبلغ 15 مليار يورو فوراً، وصولاً إلى 30 مليار يورو على المدى المتوسط، ما يهدّد مئات الآلاف من الوظائف وسلسلة التوريدات المرتبطة بالصناعة، في وقت يعتمد فيه العديد من المصنعِين الألمان بشكل مباشر على تصدير أكثر من 400 ألف سيارة سنوياً إلى السوق الأمريكية. هذا التحوّل، الذي يُصف بأنه “حرب اقتصادية” على ألمانيا، يُعيد تذكير بالتوترات المماثلة، حين استخدمت واشنطن أدوات الضغط المالي والقانوني، سواء ضد دويتشه بنك أو فولكس فاغن، في محاولة لفرض قوانينها على خارج حدودها، وتحويل الحلفاء إلى أطراف قابلة للابتزاز الاقتصادي، وليس شركاء في مسار مستقل.

بينما يُصبح مسار الحلف الأطلسي أكثر تصدعاً، وسط استعدادات ترامب لتقليص مزيد من التواجد في قواعد إسبانيا وإيطاليا، تراقب الصين المشهد الأوروبي ببرود استراتيجي، وتحضر نفسها لملء الفراغ الذي يتركه الأمريكيون، سواء في مجال الاستثمارات، أو التكنولوجيا، أو التبادل التجاري. تقارير إعلامية صينية تشير إلى أن بكين تُعدّ نفسها لالتقاط فرصة ذهبية تنجم عن إرباك ترامب لشبكة تحالفاته، وزيادة حدة الخلافات مع أوروبا، ما يمنحها مساحة حركة أكبر على الساحة الأوروبية دون الحاجة إلى صدام مباشر، وسط رحلات مسؤولين وقادة بريطانيا وكندا وإسبانيا وفنلندا إلى بكين لبحث مسارات تنفيذية لتنويع شراكاتهم بعيداً عن وصايا واشنطن. الأكاديميون في الصين يؤكدون أن سياسة ترامب العدوانية تُقدّم لهم “هبة استراتيجية”، تحفّز الدول الأوروبية على البحث عن بدائل، وفتح أسواق جديدة، وعقود تعاونية بعيدة من الحسابات الأمريكية، ما يُعيد رسم خريطة التحالفات الاقتصادية والسياسية العالمية، ويجعل الصين طرفاً محايداً، لكنّه في الوقت نفسه مستفيداً حتمياً من تشقّق التحالف الغربي.

في هذا السياق، يُعدّ ما يحدث بين واشنطن وألمانيا أكثر من “أزمة ثنائية”، إنه علامة على تحوّل النظام الغربي من تكتل موحّد إلى مجموعة من الدول الحلفاء، كل واحدٍ يبحث عن مصلحته، وتحالفاته، وشريكه الاقتصادي، وسط مرحلة انتقالية تُعدّ نهاية عصر السيطرة الأمريكية المطلقة على أوروبا، وبداية عصر المفاوضات الصعبة، وحروب الرسوم، وتبادل الانسحابات، ومحاولة استغلال الخلافات لشقّ التحالفات وفتح أبواب جديدة للتنافس الشامل، حيث تُصبح برلين، وربما عواصم أوروبية أخرى، ساحة تجارية وسياسية مفتوحة، لا تُدار بالمظلة العسكرية وحدها، بل بالحسابات الاقتصادية، والفرص الاستراتيجية، وواقع التوازنات الدولية الذي يُعيد ترتيب مفاهيم الولاء والتحالف في ظل عالم متعدد الأقطاب.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.