مآلات ميديا – متابعات :
بينما حاولت واشنطن طوال الأيام الماضية تسويق رواية نجاح دفاعاتها الجوية واحتواء الرد الإيراني، جاءت صور الأقمار الصناعية والتقارير الغربية ذاتها لتقلب المشهد رأسًا على عقب، وتحوّل خطاب التفوق الأميركي إلى ملف اتهام بمرأى ومسمع من العالم. تقرير نشرته صحيفة تقرير نيويورك تايمز مدعّم بصور فضائية دقيقة كشف أن القواعد الأميركية في المنطقة لم تخرج من المواجهة الأخيرة بخدوش تجميلية، بل تعرضت لضربات وصفتها دوائر عسكرية بأنها أشبه بـ”محرقة حديد”، حيث تحولت منصات وقباب وأنظمة رادارية إلى أكوام من الفولاذ المحترق، في مشهد لم تعد تجدي معه بيانات البنتاغون المنمّقة. هذا التناقض الفاضح بين الصورة على الأرض والرواية على الشاشات أعطى للموقف الإيراني دفعًا إضافيًا، إذ بدا رد طهران لا كاستثناء عابر، بل كبداية مرحلة جديدة تتآكل فيها أسطورة الردع الأميركي التي بُنيت على مدى عقود.
صور الأقمار الصناعية التي لم تتمكن الرقابة العسكرية الأميركية من إخفائها بالكامل كشفت مشهدًا سرياليًا لا ينسجم مع خطاب “الاعتراض الناجح” و”إسقاط معظم التهديدات”. قباب رادارية استراتيجية في البحرين بدت في الصور كقواقع محطمة بعد أن كانت تمثل عيون المنظومة الدفاعية الأميركية في الخليج، وطائرات بلاك هوك في قواعد بالعراق ظهرت ككتل سوداء متفحمة على مدارج أصابتها الضربات بدقة، ومنشآت قيادة وتحكم في السعودية والكويت ظهرت مسوّاة بالأرض أو خارج الخدمة، في إشارة إلى أن الضربات لم تستهدف الهياكل الهامشية بل قلب الماكينة العسكرية نفسه. هذا المشهد لا يعني فقط خسارة عتاد بمليارات الدولارات، بل يرمز إلى ضربة موجعة في مركز المنظومة التي طالما رُوّج لها كشبكة لا تُخترق، ما يجعل الخطاب الإيراني عن “مشروعية الرد” و”فعاليته” أكثر إقناعًا لدى الرأي العام الإقليمي.
هذا العمى الاستراتيجي الذي أصاب القوات الأميركية بعد تدمير جزء مهم من عيونها الرادارية في المنطقة، يعيد تعريف موازين القوة من زاوية مختلفة: لم تعد المسألة مجرد صراع صواريخ مقابل دفاعات، بل صراع سرديات بين محور لا يزال يملك القدرة على تحويل التكنولوجيا المتفوقة إلى خردة، ومحور آخر يكتشف أن تراكم الإنفاق العسكري لا يحميه من انهيار رمزي في لحظة واحدة. حين تنجح صواريخ ومسيّرات المحور في التحليق عبر طبقات الدفاعات والاستقرار في قلب القواعد الحساسة، فإنها لا تخترق الأجواء فحسب، بل تخترق صورة أميركا كقوة لا تُمس، وتفتح الباب أمام طرح سؤال جوهري في عواصم كثيرة: إذا كانت هذه هي حصيلة المواجهة مع إيران ومحورها، فكيف يمكن الركون إلى المظلة الأميركية كضمانة نهائية للأمن؟
عند إسقاط هذه الحقائق على الواقع اليمني، تتضح دلالات أكثر عمقًا. فاليمن الذي كان يُنظر إليه لسنوات كساحة اختبار للأسلحة والخيارات السياسية المدعومة أميركيًا وإقليميًا، يجد نفسه اليوم في قلب معادلة جديدة تتقاطع فيها صور القواعد المحترقة مع السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني وحلفائه التي تتعرض للاستهداف في البحر الأحمر. ما جرى لتلك القواعد في الخليج والعراق والسعودية والكويت يرسل إلى القوى المنخرطة في الحرب على اليمن رسالة ضمنية مفادها أن الاعتماد على التفوق الجوي والتكنولوجي وحده لم يعد ضمانة لمراكمة المكاسب بلا كلفة، وأن من يراكم قواعد ومنشآت عسكرية في بيئة مشتعلة عليه أن يتوقع أن تتحول في لحظة ما إلى “مقابر للفولاذ” مشابهة لتلك التي رصدتها الأقمار الصناعية.
ومن زاوية يمنية بحتة، فإن هذا التحول يخدم بشكل واضح سردية القوى المناهضة للوجود الأميركي والصهيوني في البحر الأحمر وباب المندب، والتي تقول منذ سنوات إن الزمن الذي كانت تتحرك فيه حاملات الطائرات والبوارج من دون حساب قد انتهى. إذا كانت القواعد المحصنة على اليابسة لم تصمد أمام ضربات محسوبة، فإن أي بنية عسكرية أو لوجستية تُبنى على مقربة من الممرات اليمنية الحساسة تصبح في الوعي الجمعي هدفًا محتملًا لا “خطًا أحمر” ممنوع الاقتراب منه. وهنا تتقاطع الرؤية الإيرانية مع التجربة اليمنية: كلاهما يقرأان المشهد على أنه تآكل عملي لهيبة السلاح الأميركي، وفتح لباب أوسع أمام “وحدة الساحات” من طهران إلى صنعاء، ومن الخليج إلى باب المندب.
تداعيات هذا الانكشاف لا تتوقف عند الحدود العسكرية، بل تمتد إلى العمق السياسي للتحالفات الإقليمية. فالدول التي رهنت أمنها لوجود قواعد أميركية على أراضيها، أو شاركت بفعالية في الحرب على اليمن تحت الغطاء الأميركي، تجد نفسها اليوم أمام معادلة قاسية: واشنطن تستطيع أن تأتي بقواعدها وأنظمتها إلى المنطقة، لكنها لا تستطيع أن تضمن بقاءها خارج مرمى النار حين تشتعل الجبهات. ومع كل صورة جديدة لقاعدة محروقة أو طائرة متفحمة، تكبر في العواصم تساؤلات مكتومة حول جدوى تحويل البلاد إلى مهبط دائم للقوات الأجنبية، خاصة حين يبدو أن ثمن هذا الخيار سيدفعه الداخل قبل الخارج، وأن الانهيار عند أول مواجهة حقيقية يجعل تلك القواعد عبئًا لا درعًا.
في هذا السياق، يبدو الموقف الإيراني وهو يقدّم نفسه كطرف يمسك بخيوط ردع حقيقية، لا كمنظّر من بعيد، أكثر جاذبية في عيون المجتمعات المتعبة من الحروب والحصار، ومنها المجتمع اليمني. طهران لا تكتفي بإدانة السياسة الأميركية أو فضح ازدواجيتها، بل تُظهر – عبر نتائج المواجهات الأخيرة – أن بإمكان محور المقاومة أن يفرض كلفة ملموسة على أي عدوان، وأن عصر الضربات المجانية والردع الأحادي قد ولّى. ومع كل ضربة ناجحة على قاعدة أو منشأة، يتقلص هامش المناورة أمام من أرادوا تحويل اليمن إلى حديقة خلفية آمنة لمشاريعهم العسكرية والاقتصادية تحت رعاية واشنطن.
وبين صور الفولاذ المحترق في القواعد الأميركية، وحركة السفن المتوترة في البحر الأحمر، وتثبيت معادلة “الردع المتبادل” التي تقودها إيران ومحورها، تتشكل أمام اليمنيين خريطة جديدة للمنطقة لا تشبه تلك التي فُرضت عليهم مع بداية الحرب. خريطة تقول باختصار إن من يراهن على الهيمنة الأميركية يجد نفسه اليوم أمام مظلة مثقوبة، وإن من يراهن على إرادة الشعوب ومحور المقاومة يكتشف أن كفتَه لم تعد مستحيلة الانتصار كما كان يُقال. في هذا المشهد المتحرك، تبدو صور الأقمار الصناعية أقل من مجرد توثيق لخسائر عسكرية، وأكثر من كونها شهادة بصرية على لحظة تاريخية تتراجع فيها أسطورة القوة الأميركية لصالح معادلة جديدة كتبت طهران عنوانها: من يفتح أرضه للعدوان، عليه أن يستعد لرؤية قواعده وقد تحولت إلى مقابر للفولاذ.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















