مآلات ميديا – غزه :
من قلب غزة المحاصَرة، حيث تختلط أنقاض البيوت بصلابة الوعي، يطلّ اسم عزّ الدين الحداد، أبو صهيب، كأحد أبرز تجليات المدرسة الجهادية الفلسطينية التي آمنت بأن الوقت حليف من يصبر، لا من يملك الطائرات والقنابل. فالقائد الذي وُلِد في غزة عام 1970، ونشأ في بيئة تعرف الاحتلال أكثر مما تعرف الكهرباء والماء، لم يكن مجرد رقم في سلسلة طويلة من قادة المقاومة، بل كان نموذجاً حياً للفكرة التي تقول إن الرجال يمضون، لكن مشروع التحرير يظل أكبر من الأجساد والوجوه. من هنا، يبدو إصرار الكيان الصهيوني على ملاحقته واغتياله – بعد نجاة من محاولات سابقة واستهدافات طالت أبناءه وأحفاده – محاولة يائسة لضرب روح المقاومة، لا جسدها فحسب.
عزّ الدين الحداد، الذي عرفه رفاقه بـ«أبي صهيب» وعرّفه العدو بـ«شبح القسام»، انخرط في صفوف حركة حماس منذ بداياتها، والتحق مبكراً بكتائب الشهيد عز الدين القسام، متدرجاً من جندي مشاة في خطوط الاشتباك الأولى إلى قائد فصيل، ثم قائد كتيبة، إلى أن تولى قيادة مناطق حساسة في القطاع، وصولاً إلى قيادة لواء جنوبي غزة، أحد أعمدة البنية العسكرية للمقاومة. هذا المسار لم يكن ترقياً إدارياً عادياً، بل كان حصيلة سنوات من العمل السري، والانخراط المباشر في بناء القوة، وتطوير قدرات الكتائب في أحلك ظروف الحصار والحروب المتكررة. لقد جسّد الحداد، في وعي أبناء غزة، صورة القائد الذي يختار أن يعيش «ظلاً» ليتقدم جنوده «نوراً» في خطوط المواجهة.
لم تتوقف مساهمة الحداد عند حدود القيادة الميدانية، بل امتدت إلى عمق الأمن الداخلي للمقاومة. فقد كان من الوجوه البارزة في تأسيس جهاز «المجد» الأمني، الذي تصدى لشبكات العملاء، وواجه محاولات اختراق الكيان الصهيوني لصفوف المجتمع الغزي، حماية للجبهة الداخلية حتى لا تُطعَن المقاومة من الخلف. كما ارتبط اسمه بملفات التصنيع العسكري، وعلى رأسها تطوير قذائف «الياسين 105» وغيرها من الأسلحة المحلية التي حوّلت الشوارع الضيقة إلى مصائد للدبابات والمدرعات، وأثبتت أن الإبداع المقاوم قادر على تعويض الفارق الهائل في الإمكانات المادية. بهذا المعنى، كان استهداف الحداد محاولة لضرب «العقل المركزي» الذي يجمع بين الأمن والاستخبارات والتسليح والقيادة الميدانية.
على مستوى الثمن الشخصي، قدّمت عائلة أبي صهيب نموذجاً نادراً في تداخل القيادة بالتضحية؛ فقد استُشهد ابنه الأكبر صهيب مع حفيده في غارة صهيونية عام 2025، كما استُشهد له ابن آخر خلال الحرب الأخيرة، ليصبح البيت كله سيرة جهادية مترابطة: أب في الميدان، وأبناء وأحفاد على درب الشهادة، وعائلة تصوغ يومياتها بين الفقد والصبر واليقين بأن الدم على هذه الأرض لا يذهب هدراً. هذه السيرة تعمّق صورة القائد المقاوم في الوعي الشعبي، بوصفه جزءاً من الناس، لا منفصلاً عن آلامهم وآمالهم.
عندما خرج قادة الكيان الصهيوني لإعلان استهداف عزّ الدين الحداد، حاولوا تقديم العملية كـ«إنجاز تاريخي» يثبت قدرة أجهزة استخباراتهم وسلاحهم الجوي على الوصول إلى «العقول المدبرة» في غزة. لكن القراءة من زاوية المقاومة تكشف صورة معاكسة تماماً؛ فالاضطرار إلى استخدام هذا الحجم من القوة والموارد لاستهداف قائد واحد، يؤكد أن معسكر الاحتلال بات يقاتل في الوقت الضائع، وأنه عاجز عن كسر إرادة الميدان، فيلجأ إلى اغتيالات يراهن على توظيفها إعلامياً وسياسياً. إذا كان العدو قد نجح – أو يزعم أنه نجح – في النيل من جسد القائد، فإن فشلَه المستمر في كسر البنية القتالية والتنظيمية للقسام يفضح محدودية رهانه على «قطع الرؤوس» كطريق لحسم الصراع.
تجربة المقاومة الفلسطينية، منذ الانتفاضة الأولى وحتى اليوم، برهنت مراراً أن اغتيال القادة لا يطفئ جذوة الفعل المقاوم، بل يفتح الباب أمام تجدد القيادات وانتقال الخبرة من جيل إلى جيل. من الشيخ أحمد ياسين إلى الرنتيسي، ومن صلاح شحادة إلى الجعبري والضيف ومن حاول العدو الوصول إليهم مراراً، ظلّ القاسم المشترك أن كل عملية اغتيال تحولت إلى لحظة إعادة بناء، يتقدم فيها الصف الثاني والثالث، حاملاً الإرث ومضيفاً إليه خبرة جديدة. في هذا السياق، يبدو الحديث عن «فراغ قيادي» بعد استهداف الحداد أقرب إلى الوهم؛ فكتائب القسام تعمل وفق بنية مؤسسية، يقودها مجلس عسكري وألوية وسرايا وخلايا موزعة، ما يجعل الخسارة مؤلمة إنسانياً وعسكرياً، لكنها بعيدة كل البعد عن أن تكون قاتلة لمشروع المقاومة.
من زاوية داعمة للمقاومة، يمكن قراءة الاغتيال – إن ثبت – كاختبار جديد لقدرتها على تحويل الجراح إلى قوة دفع إضافية في مسار الصراع. الرد المنتظر، أياً كان شكله وزمانه وميدانه، لن يكون مجرد رد فعل عاطفي، بل حلقة واعية في معادلة ردع تحرص حماس وسائر فصائل المقاومة على تثبيتها: لا اغتيال بلا ثمن، ولا دم قائد يذهب من دون أثر في ميزان المواجهة. قد يتجسد هذا في تصعيد محسوب داخل غزة، أو في عمليات نوعية في ساحات أخرى، أو في تفعيل أوسع لمعادلة «وحدة الساحات» مع حلفاء المقاومة في المنطقة؛ لكن الثابت أن المقاومة لن تسمح بتحويل الاغتيال إلى ورقة ضغط مجانية بيد العدو، بل ستعمل على أن يكون عبئاً إضافياً عليه، سياسياً وعسكرياً ونفسياً.
وفي موازاة الميدان، ستنعكس عملية الاستهداف على طاولة التفاوض بصورة معاكسة لما يطمح إليه الكيان. فبدلاً من أن تُضعف موقف المقاومة، ستدفعها إلى مزيد من التماسك ورفع سقف شروطها في أي مسار تهدئة أو اتفاق يتعلق بغزة، إذ يدرك قادتها أن تقديم تنازلات تحت ضغط الدم يعني عملياً تشجيع الاحتلال على المضي في سياسة الاغتيالات إلى ما لا نهاية. من هنا، يبدو الخيار الأقرب إلى عقل المقاومة هو التمسك أكثر بثوابتها: لا نزع للسلاح، لا قبول بترتيبات أمنية تجعل غزة أسيرة لإرادة العدو، ولا هدنة تُحوَّل إلى غطاء لعمليات تصفية ممنهجة بحق قادتها ومقاتليها.
في النهاية، ما يكشفه المشهد كله هو الفارق الجوهري بين من يقاتل دفاعاً عن حق جماعي في التحرر، ومن يشن الحروب دفاعاً عن مشروع استعماري محكوم بالتآكل التاريخي. عزّ الدين الحداد، في هذا الوعي، ليس مجرد قائد عسكري في كتائب القسام، بل حلقة في سلسلة رجال ونساء وأجيال حملوا راية المقاومة، وسيسلمونها – شاء العدو أم أبى – إلى من يأتي بعدهم. إذا كان الاحتلال يظن أن اغتيال «شبح القسام» سيقربه من كسر غزة، فإن شوارع المخيمات، وبيوت الشهداء، ووجوه الأطفال الذين يكبرون على أسماء القادة، تقول إن ما يتقصّر حقاً مع كل عملية اغتيال هو عمر مشروع الاحتلال، بينما يزداد مشروع الحرية صلابة وتجذراً في الأرض والقلوب.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















