مآلات ميديا – مآلات محلية

في مدينة اعتادت رائحة البارود أكثر مما اعتادت رائحة البحر، خرج اسم عبد الرحمن الشاعر من خانة التربوي والقيادي الحزبي إلى خانة الرمز السياسي المقتول، قبل أن يتحول اغتياله إلى مرآة مكبّرة لصراع عميق داخل معسكر واحد يفترض أنه يقف تحت مظلة المجلس الرئاسي الذي يشغله التحالف العربي. فقد كان اغتيال القيادي في حزب الإصلاح في عدن ، حدثاً صادماً بحد ذاته، بالنظر إلى مكانة الرجل التربوية ورئاسته لمجلس إدارة مدارس “النورس” الأهلية، وإلى كونه واحداً من أبرز وجوه الحزب في عدن، لكن الصدمة الأولى لم تلبث أن انقلبت إلى جدل سياسي وأمني واسع، بعدما تسربت وثائق من محاضر التحقيقات يفترض أنها سرية، لتفتح باباً جديداً على حجم الشروخ داخل القوى المحسوبة – نظرياً – على المعسكر نفسه.

الوثائق المسربة، التي دفع حزب الإصلاح بها إلى واجهة الرأي العام، تضمنت وفق ما نُشر اعترافات خطيرة على لسان أحد المتهمين، تشير إلى أن الهدف لم يكن شخص الشاعر بذاته بقدر ما كان “الحزب” ككيان، مع توثيق لعبارات قيل إنها استُخدمت في توجيه المنفذين، ووصفت قيادات الإصلاح بأنها “وسخة” و”إرهابية”، في لغة تحريضية تلتقي مع خطاب كراهية سياسي وإعلامي غذّته منذ سنوات أطراف مدعومة إماراتياً ضد الحزب داخل الجنوب. بهذا المعنى، بدا أن نشر تلك المحاضر لم يكن مجرد فعل “كشف للحقيقة” بل خطوة محسوبة من الحزب لإعادة تعريف الجريمة أمام الشارع المحلي والدولي: من اغتيال شخصية تربوية إلى استهداف ممنهج لتنظيم سياسي كامل، في توقيت حساس يلوّح فيه الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة، بفكرة إدراج الحزب على قوائم الإرهاب، ما يجعل صورة “الضحية” بالنسبة للإصلاح ورقة حيوية في معركة تعريف الذات.

غير أن تسريب التحقيقات لم يمر دون كلفة سياسية وإعلامية، إذ انقسمت ردود الفعل داخل فضاء القوى المناوئة والمؤيدة للإصلاح على حد سواء؛ ناشطون مقرّبون من جناح الانتقالي المدعوم إماراتياً رأوا أن الحزب يحاول توظيف دم الشاعر لتبييض صورته وتحصين نفسه من أي تصنيف دولي محتمل عبر تصويره كهدف رئيسي لـ”الإرهاب”، بينما ذهب آخرون إلى حد اتهام الإصلاح ذاته بالوقوف وراء العملية، مستعيدين نمطاً مكروراً من الاتهامات المتبادلة كما في قضية اغتيال خالد اليماني القيادي في المجلس الانتقالي ووزير الخارجية الأسبق، حيث تُستخدم دماء الضحايا كأدوات في حرب سرديات بين مكونات يفترض أنها تنتمي إلى المعسكر ذاته. وهكذا، وجد الشارع العدني نفسه بين روايتين متناقضتين: حزب يقول إنه مُستهدَف وجودياً من قِبل محور إقليمي، وخصوم يتهمونه بتفجير الألغام تحت أقدامه لتثبيت حضوره السياسي، في صورة تعكس حجم انعدام الثقة داخل المعسكر الواحد

هذا الانقسام في تفسير التسريبات تزامن مع مداخلة لافتة من داخل حكومة المجلس الرئاسي ، وتحديداً من وزير الداخلية فيها إبراهيم حيدان، المحسوب سياسياً على حزب الإصلاح، الذي أطلق تحذيراً ثقيلاً من انزلاق المدينة نحو موجة جديدة من الاغتيالات والتصفيات والتفجيرات، متحدثاً عن “مخططات اغتيال سياسية كبرى” تم إحباط أجزاء منها، وعن خلايا مدعومة من جهات خارجية تسعى لخلط الأوراق وإرباك المشهد الأمني. ورغم أن الوزير لم يذكر الإمارات بالاسم، إلا أن إشاراته إلى “دعم وتمويل خارجي” لخلايا الاغتيالات، في سياق خطاب إصلاحي أوسع يتهم أبوظبي تاريخياً بإدارة شبكات استهداف للخصوم داخل عدن، جعلت كثيرين يقرؤون تصريحه كرسالة سياسية موجهة إلى الجناح الإماراتي داخل معسكر المجلس الرئاسي، أكثر من كونها مجرد تقييم أمني للوضع على الأرض.

في المقلب الآخر من المشهد، أصدرت حكومة المجلس الرئاسي بيانات إدانة رسمية لجريمة اغتيال الشاعر، ووصفتها بأنها تصعيد خطير يستهدف استقرار المدينة، متحدثة عن التزامها بملاحقة الجناة وتعزيز حضور الدولة وهيبتها في عدن، في خطاب يوحي – في ظاهره – بوحدة موقف السلطة تجاه الاغتيالات. غير أن عمق التباين بين مكوّنات السلطة يظهر بوضوح عند الانتقال من اللغة العامة للبيانات إلى تفاصيل السجال الدائر بين التيارين الرئيسيين داخل معسكر السلطة: جناح إصلاحي مدعوم سعودياً يرى في فتح ملف التحقيقات على الملأ وسيلة لكشف “بصمات” محور أبوظبي على الاغتيالات، وجناح انتقالي–أمني مدعوم إماراتياً يعتبر التسريبات لعباً بالنار ونسفاً لما تبقى من ثقة بين الأجهزة الأمنية والقضاء. وهكذا يتحول ملف جنائي في الأصل إلى منصة لتصفية الحسابات بين رعاة المجلس الرئاسي الإقليميين: الرياض التي تسعى إلى إعادة تمكين حلفائها داخل مؤسسات الدولة، وأبوظبي التي عملت لسنوات على بناء تشكيلات أمنية موازية ونفوذ سياسي يتحسس من أي عودة قوية للإصلاح في عدن.

هذه التركيبة المتناقضة تنعكس مباشرة على مآلات المشهد الأمني في المدينة؛ فمن جهة، تحاول وزارة الداخلية تقديم نفسها كجهاز دولة يتصدى لـ”أكبر مخطط ممول خارجياً للاغتيالات السياسية” في عدن، وفق تصريحات حيدان عن تفكيك خلايا وامتلاك وثائق وخرائط وأدوات تنفيذية تثبت حجم المؤامرة ضد الاستقرار. ومن جهة أخرى، يصرّ خصوم الإصلاح على أن أي حديث عن “مخططات خارجية” يبقى ناقصاً ما لم يُفتح ملف التغلغل الأمني لحزبهم في مفاصل الشرطة والاستخبارات داخل المدينة خلال السنوات الأخيرة، مستحضرين سلسلة طويلة من الاغتيالات السابقة التي لم تُقيد ضد مجهول فقط، بل استُخدمت بعد وقوعها في تعزيز مواقع سياسية لطرف على حساب آخر داخل المعسكر ذاته. في ظل هذه البيئات المتداخلة، يصبح من الصعب على المواطن العادي التمييز بين الاغتيال كجريمة جنائية معزولة والاغتيال كأداة ضمن هندسة سياسية أكبر تُدار من بعيد.

أما على المستوى الإقليمي، فإن قضية اغتيال الشاعر وتسريب التحقيقات المحيطة بها تطرح أسئلة أوسع حول طبيعة إدارة السعودية والإمارات لملف عدن والمجلس الرئاسي ككل؛ فبينما تحرص الرياض، في الخطاب على الأقل، على تقديم المجلس كإطار جامع لقوى مناهضة لحكومة صنعاء، يظهر على الأرض أن هذا المجلس يضم في داخله مشروعين متنافسين لا يلتقيان إلا في نقطة واحدة: منع خصم مشترك من الانتصار، دون توافق حقيقي على شكل الدولة والأمن في “مدينة يفترض انها العاصمة المؤقتة” للمعسكر الذي ينتمون اليه. في هذا السياق، يبدو الإصلاح أقرب إلى خيار سعودي لتوازن نفوذ الانتقالي، بينما تظل أبوظبي متمسكة برؤية تعتبر أي تمدد للحزب تهديداً مباشراً لمشروعها في الجنوب، ما يجعل كل حادثة اغتيال، وكل تسريب، وكل تصريح أمني، جزءاً من معادلة “عضّ الأصابع” بين راعيين خارجيين، يدفع ثمنها الأمن الهش والسلم المجتمعي والقضاء في عدن.

مآلات هذا المسار، إذا استمر بالوتيرة ذاتها، تنذر بأن تتحول عدن مجدداً إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بالوكالة، حيث تتقدم الاغتيالات كوسيلة تفاوض غير معلنة بين أجنحة السلطة، وتتحول الأجهزة الأمنية إلى أطراف في الصراع بدلاً من أن تكون حكماً فوقه، وتتآكل ثقة الشارع بأي حديث عن “هيبة الدولة” أو “وحدة القرار الأمني” في مدينة تتقاطع فيها الخرائط المحلية والإقليمية. وفي ظل عجز المجلس الرئاسي عن إنتاج مركز قرار مستقل عن المزاجين السعودي والإماراتي، ومع استمرار الاستثمار في خطاب شيطنة متبادل بين القوى المكوّنة له، يبدو أن دم عبد الرحمن الشاعر لن يكون – في حساب المتصارعين – نهاية القصة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الدماء المستخدمة لتعديل موازين القوى، في مشهد يختلط فيه السياسي بالأمني، والداخل بالخارج، إلى حد يصعب معه الجزم: من يقتل من فعلاً في عدن، ومن المستفيد الأخير من كل رصاصة طائشة أو مخططة في صراع الأشقاء على جثة الدولة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.