مآلات ميديا – متابعات :
رغم شهور من التهديد والوعيد، وما تلاه من حملة عسكرية أمريكية إسرائيلية استهدفت قلب بنية الدفاع الصاروخي الإيراني، تكشف المعطيات المتداولة في الأوساط الاستخبارية الغربية أن طهران نجحت في قلب المعادلة، واستعادت السيطرة على معظم مواقعها الصاروخية ومنصات الإطلاق الرئيسة في مختلف أنحاء البلاد. فبدل أن تتحول تلك الضربات إلى بداية تفكيك لقوة إيران الردعية، تحولت إلى اختبار قاسٍ خرجت منه الجمهورية الإسلامية بموقع أقوى سياسيًا ومعنويًا، بعدما أثبتت أن بنيتها الدفاعية أعمق بكثير مما كان يروَّج في الخطاب الغربي.
وتشير المعلومات إلى أن إيران أعادت تفعيل وصولها التشغيلي إلى غالبية المواقع الصاروخية الأساسية، بما في ذلك المواقع المطلة على الممرات البحرية الحيوية، والمنشآت المحصنة تحت الأرض التي تشكل العمود الفقري لقوة الردع الإيرانية. هذا التعافي السريع لا يمكن قراءته إلا بوصفه نتيجة مباشرة لعقود من الاستثمار في البنية التحتية الدفاعية، التي صُممت لتصمد تحت القصف وتعود إلى الخدمة خلال وقت قياسي، في رسالة واضحة مفادها أن قوة إيران لا تُقاس بعدد الحفر التي تُصنع في سطح الأرض، بل بما يبقى متماسكًا في عمقها.
والأهم من ذلك أن طهران نجحت، رغم كثافة الغارات وادعاءات “الشلل” التي رافقتها، في الحفاظ على معظم منصات الإطلاق المتنقلة المنتشرة في البلاد، بما يقارب 70% من هذه المنصات بحسب تقديرات غربية نفسها، وهو رقم يكفي وحده لتأكيد أن القدرة العملانية لإطلاق الصواريخ لا تزال قائمة بقوة. كما أن نسبة كبيرة من مخزون الصواريخ القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى ما زالت صالحة للاستخدام، الأمر الذي يبقي قدرة إيران على الرد حاضرة في أي حسابات عسكرية أو سياسية، ويؤكد أن الرهان على تحييد هذه الترسانة بضربة واحدة كان رهانًا واهيًا.
وبرزت في هذا السياق ميزة إيران الأساسية: الجمع بين منصات ثابتة محصنة تحت الأرض ومنصات متنقلة عالية القدرة على المناورة والاختفاء، إلى جانب استخدام منصات وهمية وتقنيات تمويه متقدمة أربكت أجهزة الاستطلاع والاستخبارات لدى خصومها. فجزء من “النجاح” الذي احتفى به الخطاب الأمريكي والإسرائيلي في بداية الحملة اتضح لاحقًا أنه استهداف مكثف لطعوم معدّة سلفًا، بينما بقيت المنصات الحقيقية في مأمن نسبي، ما حول كثيرًا من الصور التي عُرضت للرأي العام إلى إنجاز إعلامي أكثر منه إنجازًا عسكريًا حاسمًا.
هذه المعطيات تجعل من برنامج الصواريخ الإيراني شاهدًا على فعالية استراتيجية “الحرب غير المتكافئة” التي تتبعها طهران منذ سنوات، في مواجهة تفوق جوي وتقني غربي واضح. فإيران لا تنافس خصومها على مستوى حجم الأساطيل الجوية أو حاملات الطائرات، بل تبني قوتها على قدرة صواريخها وطائراتها المسيّرة على الوصول إلى أهداف حيوية في أي مواجهة، وعلى جعل ثمن استهدافها ثمنًا باهظًا لا يمكن تجاهله في أي غرفة عمليات. بهذا المعنى، فإن صمود البنية الصاروخية، وعودة الغالبية العظمى من المواقع والمنصات للخدمة، يثبت أن إيران نجحت في ترسيخ معادلة ردع تحمي أمنها الوطني وتمنحها هامشًا واسعًا للمناورة الإقليمية.
ومن زاوية سياسية، ما خرجت به طهران من هذه المواجهة يتجاوز حدود الميدان العسكري؛ إذ إن قدرتها على امتصاص ضربة بهذه الشدة، ثم إعادة تشغيل منظومتها الصاروخية إلى هذا الحد، تعزز سرديتها أمام شعوب المنطقة بأنها دولة لا تُكسر بسهولة، وأن الضغط العسكري – مهما اشتد – لن يدفعها للتراجع عن خياراتها الاستراتيجية. كما أن استمرار القدرة على الرد، ولو بجزء من القوة الكلية، يكفي لإبقاء خصومها في حالة حذر دائم، ويجبرهم على التفكير ألف مرة قبل الإقدام على أي مغامرة جديدة.
في المحصلة، تحاول بعض الخطابات التقليل من شأن ما حققته إيران، بالتركيز على ما دُمّر من مخازن ومنصات، لكن القراءة الأعمق تظهر أن معيار القوة الحقيقي ليس في عدد الأهداف التي أصابها القصف، بل في ما بقي قادرًا على العمل بعد انتهاء الدخان. وإذ تستعيد إيران الوصول إلى معظم مواقعها الصاروخية وتحتفظ بالغالبية الكبرى من منصاتها المتنقلة، فإن الرسالة التي تبعث بها إلى واشنطن وتل أبيب والمنطقة كلها واضحة: هذه البلاد بُني دفاعها على فكرة البقاء والصمود، لا على وهم الانهيار بضربة واحدة.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















