مآلات ميديا – طهران :
يقدّم مساعد وزير الدفاع الإيراني، العميد رضا طلائي، في تصريحاته الأخيرة سردية متماسكة تعكس تحوّلًا أعمق في قراءة طهران لموازين القوة الدولية، حيث يؤكد أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض سياساتها على الدول التي تصنّف نفسها ضمن معسكر الاستقلال، كما كان الحال خلال مرحلة الهيمنة الأحادية. وفي هذا السياق، يربط بين ما يعتبره صمودًا إيرانيًا في المواجهات الأخيرة مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، وبين تغيّر في سلوك الطرفين، يرى أنه يُجسّد اعترافًا ضمنيًا بتآكل فاعلية أدوات الردع التقليدية في مواجهة نموذج إيراني انتقل، وفق هذا الطرح، إلى مستوى ردع استراتيجي يمتد تأثيره إلى ما وراء حدوده الجغرافية.

ويمضي الخطاب الإيراني في توسيع دائرة التوصيف، حيث يُعاد تقديم الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي باعتبارهما نموذجين لـ“إرهاب الدولة”، في ضوء ما تُوصف به تدخلاتهما العسكرية والعمليات السرية العابرة للحدود. غير أن اللافت في هذا الطرح لا يكمن في اللغة السياسية فحسب، بل في إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته، إذ يتم التركيز على القدرة الذاتية في إنتاج منظومات دفاعية محلية، وتكييفها ضمن أنماط حرب غير تقليدية تشمل الطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، والعمليات السيبرانية. وفي هذا الإطار، يلمّح طلائي إلى احتفاظ طهران بجزء معتبر من قدراتها الصاروخية خارج الاستخدام حتى الآن، بما يوفّر لها هامش مناورة في أي تصعيد محتمل، ويعزز فرضية أن واشنطن قد تفضّل إدارة التوتر بدل الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات.

وفي البعد الآسيوي، تتجاوز الرسالة الإيرانية حدود الداخل لتلامس مشروعًا أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، من خلال الانخراط النشط في منظمة شنغهاي للتعاون. هنا، تُطرح إيران ليس فقط كعضو، بل كمزوّد خبرة عسكرية وتقنية، مستعدة لنقل تجاربها في مجالات التصنيع الدفاعي، خصوصًا في تقنيات الصواريخ والطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي. ويُفهم من هذا التوجّه أنه محاولة لبناء شبكة ردع جماعي غير تقليدية، تُقلّص من اعتماد الدول الأعضاء على المظلة الأمنية الغربية، وتعيد توزيع مراكز القوة داخل الفضاء الآسيوي.

ومن زاوية تحليلية، يكشف هذا الخطاب عن استراتيجية إيرانية متعددة الأبعاد؛ فهي تسعى إلى ترسيخ صورتها كقوة ردع إقليمية قادرة على التأثير خارج حدودها، وفي الوقت ذاته تحويل تجربتها تحت العقوبات والضغوط إلى نموذج قابل للتصدير ضمن ما يمكن وصفه بـ“اقتصاد الخبرة الأمنية”. كما يتقاطع هذا المسار مع جهود تقليص الفجوة التقنية داخل الفضاء الآسيوي بين القوى الكبرى مثل روسيا والصين من جهة، وبقية الدول الأعضاء من جهة أخرى، بما يعزز اتجاهًا نحو تعددية مراكز القوة بدل الانضواء تحت مظلة أمنية أحادية.

وعلى المستوى العملي، تلوح في الأفق مؤشرات على انتقال هذا الطرح من حيز الخطاب إلى التنفيذ، عبر احتمالات تشكيل برامج تدريب مشتركة، وعقد صفقات تسلح محدودة النطاق، مع تركيز خاص على الأنظمة منخفضة الكلفة وعالية التأثير، كالمسيّرات والصواريخ متوسطة المدى. في المقابل، يفتح هذا المسار الباب أمام ردود فعل أميركية محتملة، سواء عبر تصعيد الضغوط السياسية والاقتصادية على الدول المنخرطة في التعاون مع طهران، أو عبر محاولة احتواء توسّع نفوذها داخل بنية منظمة شنغهاي للتعاون، بما يضع إيران أمام معادلة دقيقة بين استعراض القوة وتجنب العزلة الدولية المتزايدة.

في المحصلة، لا يُقرأ خطاب طلائي بوصفه تصريحًا عسكريًا تقليديًا، بل كجزء من سردية أوسع تعكس تحوّلًا في بنية النظام الدولي، حيث تسعى إيران إلى تقديم نفسها كنقطة ارتكاز في مشروع مضاد للهيمنة الغربية، قائم على نقل الخبرة وتعظيم كلفة التدخل الخارجي. ومع استمرار تآكل نموذج التفوق العسكري الأحادي، تبدو هذه المقاربة مرشحة لأن تتحول إلى أحد ملامح الصراع الدولي القادم، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الترسانة، بل بقدرتها على إعادة تشكيل قواعد الاشتباك وفرض معادلات ردع جديدة.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.