مآلات ميديا – متابعات سياسية :
في لحظة إقليمية يغلب عليها منطق القوة العسكرية وفرض الأمر الواقع من خارج الإقليم، تعلن إيران عن شروعها في مشاورات لصياغة لوائح تنظم الترتيبات الخاصة بمضيق هرمز، ليس بوصفه مجرّد ممر مائي مفتوح لمن يشاء وبالشروط التي يشاء، بل باعتباره جزءًا من سيادتها وحقها المشروع في حماية أمنها القومي ومصالح شعبها ضمن إطار القانون الدولي ومبادئه العامة. هذا التوجّه، الذي تسعى من خلاله طهران إلى تقنين ما تراكم طوال عقود من ممارسات غير متوازنة في المضيق، لا يمكن قراءته كخطوة تصعيدية كما تحاول بعض الأطراف تصويره، بل كاستعادة متأخرة لحد أدنى من التوازن في علاقة مختلّة بين دولة تقع الجغرافيا في صفّها، ومنظومة غربية سعت لسنوات طويلة إلى مصادرة هذه الأفضلية الجغرافية عبر خطاب انتقائي عن “حرية الملاحة” لا يتذكر القانون الدولي إلا عندما يخدم مصالحه.

إيران، وهي تؤكد أن مشاوراتها لصياغة اللوائح تتم “وفقًا للقانون الدولي”، إنما توظّف واحدة من أهم أدوات الدولة المعاصرة: أداة النص القانوني المنظم، في مقابل سلوك دولي طالما تعامل مع مضيق هرمز كفضاء مباح للأساطيل الحربية وعمليات الضغط العسكري والاقتصادي على طهران دون أي اعتبار لمخاوفها المشروعة. ومن خلال سعيها لوضع قواعد واضحة للعبور، ورسوم محددة، وترتيبات خاصة بالدول التي تمارس ضدها ما تسميه “الحرب الاقتصادية” والعقوبات غير الشرعية، تحاول إيران أن تنقل النقاش من مستوى “من يملك القوة البحرية الأكبر؟” إلى “من يملك الحجة القانونية والسيادة الفعلية على مياهه الإقليمية؟”. هنا لا تدّعي طهران أنها تتجاوز القانون الدولي، بل بالعكس؛ تؤكد أن جزءًا كبيرًا من قواعد هذا القانون اكتسب طابعًا عرفيًا يمكن الاستناد إليه في حماية الأمن القومي، مع حق الدول غير المنضمة لبعض الاتفاقيات – كاتفاقية قانون البحار – في تفسير بعض المفاهيم بما لا ينتقص من سيادتها وحقوقها التاريخية.

إن التأييد للمسار الإيراني في هذه القضية لا يأتي من منطلق عاطفي أو أيديولوجي، بل من قراءة واقعية لمشهد بحري شديد الازدحام بالقواعد المزدوجة؛ إذ لطالما استُخدم شعار حرية الملاحة غطاءً للاقتراب العسكري المستفز من السواحل الإيرانية، وذريعة لفرض حصار اقتصادي غير معلن من خلال اعتراض السفن الإيرانية أو تلك التي تتعامل معها، فيما يُطلب من طهران في المقابل أن تصمت أمام هذه الممارسات حفاظًا على “سلاسة التجارة العالمية”. ومع طرحها لفكرة لوائح خاصة بمضيق هرمز، تمارس إيران نوعًا من “المعاملة بالمثل القانونية”: فإذا كانت دول بعينها تصعد اقتصاديًا وعسكريًا في مواجهة طهران، فإن الأخيرة تعلن – وبشكل منظم وشفاف – أنها لن تستمر في منح ميزة عبور مجانية وغير مشروطة لسفن هذه الدول عبر أهم شريان حيوي يمر بجرفها القاري ومياهها الإقليمية.

ومن زاوية هندسية – جيوسياسية خالصة، يمكن النظر إلى الخطوة الإيرانية كنوع من “إعادة تصميم” لنظام عمل مضيق هرمز؛ فكما يقوم المهندس بإعادة توزيع الأحمال على جسر مهدد بالانهيار، تحاول إيران إعادة توزيع كلفة التوتر الإقليمي بحيث لا تظل مركّزة على اقتصادها وحده، بل يشعر بها من يصرّون على إدارة المنطقة بمنطق العقوبات والضغوط القصوى. إدخال رسوم منظمة، وآليات ترخيص، وترتيبات تفضيلية للدول الصديقة، كلها أدوات قانونية – تنظيمية، وليست عسكرية – عدوانية، تُبقي باب العبور مفتوحًا لكنها ترفض أن يظل مفتوحًا بلا ضوابط لصالح قوى عظمى لم تعترف يومًا بحقوق إيران الأمنية. بهذا المعنى، لا تُغلق طهران المضيق أمام العالم، بل تُغلق الباب أمام استمرار التعامل معه بوصفه “ممرًا مجانيًا” لمن يستخدمه سلاحًا ضدها في ملفات أخرى.

وإذا كان بعض المنتقدين يسارعون إلى اتهام إيران بمحاولة “تسييس” المضيق، فإن الإنصاف يقتضي القول إن المضيق كان مُسَيّسًا منذ عقود، لكن من خارج المنطقة لا من داخلها؛ فقد ظل حضور الأساطيل الأجنبية وتسيير حاملات الطائرات وعمليات الاستطلاع المكثفة واقعًا يوميًا في مياهه، بينما تُطالَب إيران وحدها بالالتزام الصارم بضوابط لم يلتزم بها الآخرون إلا عندما تعلق الأمر بمصالحهم المباشرة. في هذا السياق، تبدو خطوة طهران أقرب إلى تصحيح للتاريخ منها إلى كسر لقواعده: تصحيح يمنح الدول المشاطئة للمضيق، وفي مقدمتها إيران، صوتًا مسموعًا في تحديد قواعد المرور فيه، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن زمن الاستحواذ على المزايا الجغرافية لدول الجنوب تحت عناوين قانونية فضفاضة قد شارف على نهايته. إن دعم هذا التوجه لا يعني دعم التصعيد أو المواجهة، بل مساندة حق دولة إقليمية محورية في أن تكتب، هي أيضًا، جزءًا من قواعد اللعبة في ممر بحري تدفع ثمن حراسته واستقراره منذ عقود، دون أن يُسمح لها حتى اليوم بأن تكون شريكًا كاملًا في صياغة منظومته القانونية.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.