مآلات ميديا :
أعلنت الحكومة الإثيوبية في مارس 2026 طرح مناقصات لبناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق بقدرة إجمالية تصل إلى نحو 10 جيجاوات، وهي خطوة استراتيجية توسعية في قطاعي الطاقة والمياه تعكس طموح أديس أبابا المستمر في استغلال موارد النهر لتحقيق تحول تنموي جذري. تُعرف هذه السدود بأسماء كارادوبي وبيكو أبو ومندايا، بتكلفة إجمالية تقدر بـ10.5 مليار دولار أمريكي، ومدة تنفيذ تتراوح بين 4 إلى 7 سنوات، حيث تهدف إلى إنتاج 5700 ميغاواط فورياً مع إمكانية التوسع، مما يعزز إنتاج إثيوبيا الكهربائي بنسبة 25% ويضعها كمركز طاقة إقليمي رئيسي في القرن الأفريقي. هذه القدرة الهائلة تعادل ضعف قدرة سد النهضة الذي افتتح رسمياً في سبتمبر 2025 بعد اكتماله بنهاية 2024، وأصبح الآن “بنكاً مائياً” استراتيجياً لمواجهة الجفاف، في سياق رؤية إثيوبية طويلة الأمد تشمل 18 سدّاً على مجرى النيل الأزرق الذي يوفر 85% من تدفق النهر.
يأتي هذا الإعلان كتتويج لاستراتيجية إثيوبية تعتمد على تمويل عربي لتفادي شروط البنوك الدولية، بهدف مكافحة الفقر وتعزيز الصناعة وتصدير الطاقة النظيفة، لكنه يثير مخاوف فورية من احتجاز طمي هائل يبلغ 140 مليار متر مكعب، مما يطيل عمر النهضة ويقلل تدفق المياه نحو الشرق الأوسط، في تحدٍّ مباشر للاتفاقيات التاريخية لتقاسم النيل. ومن هنا، يتحول النزاع من مجرد خلاف فني إلى صراع جيوسياسي يعيد رسم خريطة النفوذ في حوض النيل، حيث تستخدم إثيوبيا السدود كأداة لتعزيز شرعيتها الأمنية عبر زيارات استخباراتية إفريقية، بينما تواجه مصر تهديداً وجودياً يفوق صدمة النهضة، إذ يعتمد 97% من احتياجاتها المائية على النهر، وأي تخزين إضافي قد يجفف خزان أسوان ويهدد الزراعة والأمن القومي.
في رد فعل سريع ومنهجي، كثفت القاهرة تحركاتها الدبلوماسية داخل دول الحوض، خاصة أوغندا كلاعب محوري، عبر جولات رفيعة المستوى لوزيري الخارجية والري في 2025-2026، مع عروض تمويل مشاريع مياه مقابل الالتزام بمبدأ “عدم الإضرار الجسيم” المنصوص عليه في القانون الدولي للموارد المائية المشتركة. هذه الجهود لا تقتصر على التنسيق الثنائي بل تمتد إلى تعزيز الموقف داخل المؤسسات الإقليمية، في محاولة لموازنة الضغط الإثيوبي الأحادي الذي يفاقم أزمة مائية محتملة. وفي الختام، يبرز هذا التوسع الحاجة الملحة إلى آلية إقليمية ملزمة لإدارة النيل، تجنباً لتصعيد يهدد الاستقرار في شمال شرق أفريقيا، حيث يتطلب الأمر توازناً دقيقاً بين الطموحات التنموية والحقوق التاريخية لضمان استدامة المورد المائي المشترك.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




















