مآلات ميديا – محمد خالد الحسيني :
ليس أدقّ من وصف اللحظة الراهنة بأنها لحظة انكشاف شامل، فالحرب التي هزّت المنطقة لم تُسقط أطرافًا بقدر ما أسقطت أوهامًا، ولم تُنهِ قوى بقدر ما أعادت ترتيبها على نحو غير متوقع. بينما كانت الأنظار تتجه إلى نتائج عسكرية حاسمة، كانت التحولات الأعمق تجري بصمت .. في موازين الردع، في تعريف القوة، وفي شكل التحالفات القادمة. فجأة وجد العربي نفسه أنه لا يقف في قلب المشهد بقدر ما وجد نفسه على هامشه، يراقب تحولات كبرى تتشكل دون أن يكون فاعلًا حقيقيًا فيها. وجد العربي أنه ليس حاضراً في المشهد الجديد، بقدر ما وجد نفسه بمنأى عنه، يراقب تحولات كبرى تتشكل دون أن يكون فاعلًا حقيقيًا فيها. وقد كشفت الحرب الجارية، بما حملته من رهانات كبرى وانكسارات غير متوقعة، لم تُسقِط فقط تصورات قديمة حول موازين القوى، بل كشفت أيضًا هشاشة البنية العربية، سياسيًا واستراتيجيًا. لم تكن المفاجأة في صمود إيران بقدر ما كانت في سقوط الرهانات على إعادة تشكيل المنطقة عبر القوة العسكرية وحدها. فقد أثبتت التجربة أن الضربات الكبرى لا تُنهي الخصوم بقدر ما تعيد تشكيلهم، بل وتدفعهم إلى إعادة تعريف أنفسهم بصلابة أشد. في قلب هذه التحولات، برزت مفارقة لافتة .. طرفٌ كان يُفترض أن يخرج منهكًا استطاع امتصاص الضربة وإعادة تموضعه بثبات، بينما طرفٌ آخر كان يُفترض أن يمتلك زمام المبادرة بدا مترددًا، مشتتًا، يكرر أدوات لم تعد صالحة لمرحلة جديدة. وهنا لا تكمن الإشكالية في نتائج الحرب بحد ذاتها، بل في العجز عن قراءتها. إيران، التي كان يُراهن على إنهاكها أو إسقاطها، خرجت من المواجهة أكثر قدرة على تثبيت حضورها داخليًا وإقليميًا، مستندة إلى خطاب يتجاوز القوة العسكرية نحو شرعنة موقعها السياسي والتفاوضي. في المقابل، بدا العربي مكشوفًا .. لا مشروع جامع، ولا رؤية موحدة، ولا تنسيق فعلي يسمح له بالتفاعل مع التحولات الجارية. الاجتماعات المتكررة لم تُنتج موقفًا، والمشاورات لم تُفضِ إلى استراتيجية، بل عكست حجم التباين والتفكك. ومع كل محطة جديدة، يتأكد أن المشكلة ليست ظرفية، بل بنيوية، تتعلق بغياب الفكرة الجامعة قبل غياب أدوات القوة. وفي ظل هذا الغياب، تتحول التحركات العربية إلى ردود أفعال متأخرة، لا تصنع الحدث بل تلاحقه. في المقابل، تتجه المنطقة نحو إعادة تعريف نفسها وفق منطق المصالح الصلبة لا الشعارات، وببراغماتية قد تطيح بأكثر الثوابت رسوخًا. وفي مثل هذا السياق، يصبح التقارب بين خصوم الأمس احتمالًا واقعيًا، لا استثناءً صادمًا. وقد نشهد تحالفات تُبنى على تقاطع المصالح لا على تطابق المواقف، وعلى إدارة الخلاف لا على إنهائه. غير أن ما يفاقم مأزق العربي هو أنه لا يدخل هذه التحولات ككتلة واحدة، بل كجزر متباعدة، لكل منها حساباتها وهواجسها. وبدل أن تكون هذه المرحلة دافعًا لإعادة بناء موقف جماعي، تتحول إلى ساحة إضافية لتكريس التباينات. المشكلة ليست في اختلاف السياسات، فهذا أمر طبيعي، بل في غياب الإطار الذي ينظم هذا الاختلاف ويمنحه اتجاهًا. ومع ذلك، فإن قسوة اللحظة قد تحمل في طياتها فرصة نادرة. فالانكشاف، مهما كان مؤلمًا، يضع الجميع أمام حقيقة واضحة .. أن الاستمرار بالآليات القديمة لم يعد ممكنًا، وأن إعادة التموضع لم تعد ترفًا بل ضرورة وجودية. المرحلة القادمة لا تبدو امتدادًا لما سبق، بل فصلًا جديدًا تُعاد فيه كتابة قواعد الاشتباك السياسي والتحالفات الإقليمية. وفي هذا السياق، لم يعد مستبعدًا أن نشهد تحولات كانت حتى وقت قريب تبدو غير قابلة للتصور، بما في ذلك تقارب قوى متعارضة تاريخيًا، مثل إعادة صياغة العلاقة بين السعودية وإيران، ليس كتقارب تكتيكي، بل كتحول استراتيجي، تحكمه المصالح، وتفرضه كلفة الاستنزاف، وتغير حسابات القوة. لكن مثل هذا التحول، إن حدث، لن يمر دون ارتدادات داخل المنظومة العربية نفسها، حيث تتباين الرؤى وتتضارب المصالح، وقد تظهر مواقف معرقلة أو رافضة لأي إعادة تموضع بهذا الحجم. وهذا يعيدنا مجددًا إلى عمق المأزق .. غياب الموقف العربي الموحد القادر على استيعاب التحولات وتوجيهها بدل أن يكون ضحيتها. في خضم هذا كله، يظل السؤال الأهم: هل سيبقى العربي خارج المعادلة، أم أن هذه الصدمة كفيلة بإعادة إنتاج وعي جديد؟ فالتاريخ لا يمنح الأدوار، بل تُفرض فيه، ولا مكان في النظام الإقليمي القادم للكيانات المترددة أو المنقسمة على ذاتها. إن ما يتشكل اليوم ليس مجرد إعادة توزيع نفوذ، بل إعادة تعريف للمنطقة بأكملها. والسؤال الحاسم لم يعد: ماذا حدث؟ بل: ماذا بعد؟ فالوقت يمر ولا يتسنى متردد، فهل سيظل العربي متلقّيًا للتحولات، أم سيبدأ، ولو متأخرًا، في صياغة موقعه داخلها؟ العالم يتحرك بسرعة، والتحالفات تُبنى على القوة والرؤية لا على الذكريات أو النوايا. وبين أن يكون العربي جزءًا من كتابة الفصل الجديد، أو مجرد سطر يُكتب عنه، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، يظل الاحتمال الأكثر إثارة هو أن يفاجئ العربي الجميع بالفعل لا بالخطاب، فيعيد تعريف حضوره قبل أن يُعاد تعريفه من الخارج.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.