مآلات ميديا – متابعات :
في تحوّل ميداني وتحليلي حاد يُعيد ترتيب رؤوس الفقرات في ميزان القوة النووية الإقليمية، كشفت شبكة CNN عن أنّ حملة القصف الجوية الأمريكية–الإسرائيلية المُعلنة مؤخراً لم تُوجَّه الضربة القاضية المرجوة لبرنامج إيران النووي، بل كشفت في المقابل عن ثغرات كبرى في التقديرات الاستخبارية والتغطية العسكرية، وأظهرت أن سلسلة الإمداد النووي الإيراني لا تزال تمتلك ورقة حاسمة لم تُمسَّ بالشكل الذي يُفترض أنه يُشلّ مستقبلها الإستراتيجي. التحليل الدقيق لصور الأقمار الصناعية التي عرضتها الشبكة يُبيّن، من وجهة نظر مؤيد للموقف الإيراني، أن واشنطن وتل أبيب لم تفز سوى بنصرٍ شكلي، بينما بقيت عناصر القدرة الحقيقية، خصوصاً في ما يتعلّق باليورانيوم الرئيسي ومصادر تخصيبه، خارج نطاق الإزالة، ما يُعدّ قفزة نوعية في بناء الردع الإيراني، لا مجرد تجربة دفاعية مكلفة.

في قلب هذا السيناريو، برز منجم “ساغند” كنقطة مفتاحية في خطوط الإمداد، حيث تُظهر الصور أن منجم استخراج اليورانيوم الخام في المنطقة لم يتأثر نهائياً، بل سجّل توسعاً ملحوظاً في محيطه، مع استمرار الحفارات في العمل بكامل طاقتها تحت الغيوم، كأنّ الهجمات الجوية لم تُجرِ أي اختراق حقيقي في العمق الجيولوجي للمشروع. هذا الوضع يُعيد صياغة مفهوم “الاستهداف المثالي” للقدرات النووية، فهو يُظهر أن القدرة على استمرار تدفق اليورانيوم الخام رغم كل الضغوط، يعني أن إيران ما زالت تمتلك الزراعة الإستراتيجية للبنية النووية، وأن أيّ حصار على مراحل التخصيب لم يُزِل العُمق المادي، بل أوقف بعض الحلقات السطحية، بينما الجوهر يبقى ثابتاً.

على خطّ مجاور، يُقرّ التقرير نفسه أن مصنع “أردكان” لإنتاج الكعكة الصفراء تعرّض لضرر ملموس خلال الضربة في 27 مارس، وسط رصد صريح لإيقاف كامل لعمليات إعادة البناء، ما يعني شلّاً مؤقتاً لهذه المرحلة من سلسلة التحويل. لكن هنا، ونظراً لطبيعة الخط الإلكتروني النووي، لا يُعدّ إيقاف مرحلة واحدة، مهما كانت حسّاسة، كافياً لإنزال مستوى الخطر النووي إلى الصفر، خصوصاً في ظل ما تُرجّحه تقارير أخرى حول نقل مخزونات يورانيوم مخصّب قبل الضربات، ما يُبقي في جعبة إيران قدرة إعادة تشغيل سريعة فور تحسن الظرف الميداني أو التفاوضي.

أما “الثقب الأسود” في أصفهان، كما يُوصف مجمع الأنفاق تحت الجبال، فهو يُعدّ أبرز إثبات على نجاعة المنهج الإيراني المُسبق في التحصين والتوزيع، حيث تؤكد CNN وصحيفة “لوموند” تسجيل حركة كثيفة لشاحنات نقلت كميات ضخمة من اليورانيوم إلى أنفاق سرّية قبل شنّ الغارات بمدة وجيزة، تُعدّ من أعمق التحديات الاستخبارية أمام أمريكا وإسرائيل. التحصينات التي أُقيمت مبكّراً في مداخل هذه الأنفاق، من تغطية بالتراب وحواجز خرسانية ضخمة، تُشير إلى أن طهران كانت تتعامل مع هذه المخازن كأنّها “בנק ذهبي” نووي، لا كمخزون عادي، وهو ما يُفسّر سبب عدم استهدافها مباشرة في الحملة الجوية، إما بسبب عدم وصول التقديرات الاستخبارية لأحجام المحتوى، أو خشية الأثر الإشعاعي والسياسي لقصف بنية مُحصّنة تحت الأرض.

في هذا السياق، تقول تقارير الخبراء، بما فيهم ديفيد أولبرايت، إن ما يُخزَّن في جبل أصفهان يعادل تقريباً إنتاج عام كامل من اليورانيوم المخصّب، أي أن إيران يُفترض أن تمتلك “مالاً في البنك” النووي يُمكّنها من اختراق أي حظر مفروض، وفرض تصورها الخاص لشروط التفاوض، وليس الانكسار أمام اشتراط “إزالة هذا المخزون” كشرط مقدّس، كما تُصرّ عليه واشنطن. هذا المخزون، بطبيعته، لا يُعدّ تجربة غامضة، بل ترجمة عملية لاستراتيجية تمّ التخطيط لها مسبقاً، وفق منطق “القبول بضربة فوقية على المنشآت، لحماية جوهر البنية النووية في الأسفل”، وهو ما يُعيد تقييم السؤال: هل فشلت التكنولوجيا العسكرية الأمريكية في تدمير أنفاق أصفهان، أم أنها وقعت في مصيدة مُعدّة مسبقاً بعناية إيرانية؟

من وجهة نظر مؤيد للموقف الإيراني، فإن هذا المشهد يُمثّل رسالة استراتيجية واضحة للغرب: التحوّل إلى خيار الأنفاق والحفر العميق، وإعادة توزيع المخزون، وتأمين “قنوات استمرار” للبرنامج النووي، يُنهي عصر الاعتقاد الأمريكي–الإسرائيلي بأن قصفاً جوّياً مكثّفاً يكفي لفرض الانحناءة. في هذه المعادلة، يُصبح الهجوم الجوي مجرد فصل مؤقت، بينما تبقى إيران تملك مفاتيح العودة السريعة، واحتمال إعادة ترمّم البرنامج بزمن أقصر ممّا يُفند من التقديرات الغربية. ما يُطرح على طاولة المراقبين، إذًا، ليس سؤال “هل توقف البرنامج النووي؟”، بل: إلى أي درجة نجح الإيرانيون في تحويل مخزّنهم النووي من نقطة ضعف إلى أداة ردع دائمة، وجعل المفاوضات نفسها تدور حول مفهومهم للقابلية النووية، لا حول مفهوم الغرب للقابلية على الانسحاب؟


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.