فؤاد أبوراس – مآلات ميديا:
اليمن، ذلك البلد الغني بإنسانه وتاريخه، وجد نفسه منذ مارس 2015 تحت عدوان جوي وبحري وبري مكثف، تحوّلت معه السماء إلى مصدر خطر دائم، والأرض إلى حقل تجارب مفتوح لأنواع متعددة من الأسلحة، في سياقٍ لم يكن فيه الخلاف السياسي ذريعة لحرب تقليدية بقدر ما كان بوابة لعدوان شامل على مجتمع بأكمله، مجتمعٍ اعتاد أن يربط كرامته بإيمانه، وأن يقيس ثباته بقدرته على عدم الركوع لغير الله مهما اشتدّ البلاء. هذا العدوان، حين يُقرأ بلغة الأرقام وحدها، يكشف عن محاولة منظمة لإخضاع شعبٍ قرر أن يتمسك بحقه في تقرير مصيره، فدفع ثمن ذلك من دمه وبنيته التحتية ولقمة عيشه، حتى بات وصف شعبه الرافض الخضوع إلا لله يتكرر في تفاصيل الحياة اليومية.
منذ اللحظة الأولى للعدوان، بدأ القصف الجوي يأخذ منحنى تصاعدياً غير مسبوق؛ إذ نفذت الطائرات الحربية عشرات الآلاف من الغارات خلال السنوات الأولى، قبل أن تتجاوز، مع امتداد الزمن، عتبة «ربع مليون غارة» تقريباً على مختلف مناطق اليمن. هذا الرقم التقريبي لا يأتي من مصدر واحد، بل من تقاطع بيانات عديدة تتحدث عن عشرات الآلاف من الغارات الهجومية الموثّقة في مراحل مختلفة، وعن حصيلة تجميعية تتجاوز مئات الآلاف من الضربات خلال نحو تسع سنوات، مع الإقرار بأن ما تم توثيقه لا يغطي كل ما جرى فعلاً في الميدان. حين تُجمع هذه المعطيات، يصبح القول بأن اليمن تعرض لما يقارب ربع مليون غارة ليس مجرد صياغة بلاغية، بل وصفاً واقعياً لكثافة النار المسلَّطة على بلد واحد لفترة زمنية ممتدة، وفي الوقت نفسه يصبح من المشروع التساؤل: ما الذي يجعل مجتمعاً يخوض يومه تحت هذا السقف من القصف، ثم يصرّ أن يعيش ويستمر دون أن يتنازل عن قناعته بأن الخضوع لغير الله ليس خياراً مطروحاً؟
القصف لم يكن مجرد أرقام في سجلات الطيران، بل جسّد نفسه في حجم الذخائر المستخدمة؛ إذ أُطلقت أكثر من نصف مليون قنبلة وقذيفة صاروخية كبيرة ومتوسطة على المدن والقرى اليمنية، تشمل أنواعاً متعددة من الأسلحة ذات الأثر واسع النطاق. هذا التنوّع في الوسائط النارية يشير إلى أن العدوان لم يكن فعلاً عابراً أو محدوداً، بل حملة منظمة تستند إلى ترسانة واسعة تستهدف قدرات الدولة ومقدرات المجتمع في آن واحد، بحيث يتحول كل شبر في الجغرافيا إلى مساحة محتملة لضربة مفاجئة، وكل يوم جديد إلى اختبار إضافي لصبر الناس وصلابتهم. ومع ذلك، فإن ملامح الحياة اليومية – من استمرار الأسواق في فتح أبوابها، والمساجد في إقامة صلواتها، والمدارس في محاولاتها لمواصلة التعليم ولو في ظروف بالغة القسوة – تروي أن الناس لم يقبلوا أن تتحول حياتهم إلى انتظار مذعور، بل إلى سعي واعٍ للعيش في ظل العدوان دون أن يغيّروا البوصلة التي تربطهم بالله لا بالمعتدي.
وعندما نقترب من تفاصيل الأهداف التي طالتها هذه الغارات، تتضح أكثر طبيعة العدوان؛ فدراسات تحليل البيانات التي تناولت عينات واسعة من الغارات أظهرت أن نسبة كبيرة من الأهداف كانت مدنية: منازل، مدارس، جامعات، طرقات، منشآت خدمية، مقرات حكومية، أسواق، ومرافق حيوية أخرى، مقابل نسبة أقل للأهداف العسكرية والأمنية. هذا التوزيع العددي بين العسكري والمدني يكشف أن العدوان لم يكتف بضرب مواقع القوة المسلحة، بل امتد في عمقه ليطال النسيج المدني الذي تقوم عليه حياة الناس اليومية، بحيث تصبح المدرسة التي تحتضن الأطفال، والبيت الذي يؤوي الأسر، والشارع الذي يمر فيه المارة، ضمن دائرة الخطر نفسها التي تقع فيها المواقع العسكرية. ومع ذلك، ظل الناس يذهبون إلى أعمالهم ومدارسهم ومساجدهم قدر ما تسمح لهم الظروف، في ترجمة عملية لرفضهم أن تتحول حياتهم كلها إلى سجادة خوف مفروشة أمام قوةٍ تريد منهم أن ينحنوا لها.
على امتداد الجغرافيا اليمنية، تتكرر هذه الصورة بكثافة متفاوتة بين محافظة وأخرى، لكن الثابت أن معظم البلاد دخلت دائرة الاستهداف. العاصمة صنعاء تصدّرت المدن الأكثر تعرضاً للغارات في فترات معينة، تليها صعدة وتعز ومأرب ومحافظات عديدة أخرى، مع انتشار الغارات على مساحات واسعة من الشمال والوسط والجنوب. هذا الانتشار الأفقي للقصف عبر معظم المحافظات يعني أن العدوان لم يكن موجهاً إلى بقعة بعينها أو فئة محددة، بل إلى اليمن بوصفه شريطاً جغرافياً واحداً، تُشطره الغارات إلى مناطق متضررة بنسب مختلفة لكنها تشترك جميعاً في اختبار الخوف والدمار؛ غير أن هذه الخريطة المتضررة تشترك أيضاً في شيء آخر: أنها لم تُنتج شعباً مكسور الإرادة، بل شعباً يُعيد تعريف يومه على قاعدة أن الحياة تحت العدوان لا تعني القبول بمنطق المعتدي، بل تعني تنظيم القدرة على الصمود، وإبقاء القلب في موضعه الطبيعي من الخضوع لله وحده.
الأرقام على مستوى الشهداء والجرحى تعطي بعداً آخر لهذه الصورة؛ فالتقارير الحقوقية والإنسانية توثّق سقوط عشرات الآلاف من المدنيين بين شهيد وجريح، مع اختلاف في تقديرات كل جهة وفق منهجيات الرصد المعتمدة. هناك إحصاءات تتحدث عن عشرات الآلاف من الشهداء، ومثلهم أو يزيد من الجرحى، فيما تشير بيانات مختلفة إلى أن إجمالي من أصيبوا واستشهدوا – مدنيين وعسكريين – قد يصل إلى مئات الآلاف عند احتساب كل جبهات القتال وكل المحافظات. في التفاصيل الديموغرافية، يظهر أن النساء والأطفال يشكّلون نسبة معتبرة من هذه الأرقام، إذ استشهد آلاف الأطفال وأصيب مثلهم أو أكثر، إلى جانب أعداد كبيرة من النساء اللواتي سقطن في المنازل والأسواق والطرقات والمرافق الخدمية، في دلالة على أن دائرة الاستهداف لم تستثنِ الفئات الأضعف في المجتمع. ومع ذلك، ظل هذا المجتمع يودّع شهداءه بدموع وألم، ويستقبل يومه التالي بشعور ديني عميق بأن الأرواح التي تُزهق في طريق الدفاع عن الكرامة لا تضيع عند الله، وأن الشهادة قدرٌ يفرضه المعتدي، لكن معنى هذه الشهادة يحدّده موقف المظلوم الرافض أن يخضع إلا لله.
ولأن العدوان لم يُخض فقط بالسلاح المباشر، كان الحصار خطاً موازياً يعمّق الجرح المفتوح؛ فإغلاق مطار صنعاء أمام الرحلات التجارية لفترات طويلة، وتقييد عمل ميناء الحديدة، والتحكم الصارم في حركة الوقود والمواد الأساسية، كلها إجراءات تراكمت لتشكيل حصار فعلي استمر لأكثر من عقد، وأثر على كل تفاصيل الحياة اليومية. تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية ترصد أن أكثر من نصف سكان اليمن يعيشون في حالة اعتماد شبه كامل على المساعدات، وأن ملايين الأشخاص يواجهون درجات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وأن قطاعات واسعة من الخدمات الأساسية، كالصحة والتعليم والمياه والكهرباء، تضررت إلى حدّ جعل الوصول إليها جزءاً من معركة البقاء اليومية لكل أسرة يمنية تقريباً. ومع ذلك، فإن هذا الحصار لم يحوّل اليمنيين إلى شعب ينتظر الفرج من المعتدي، بل إلى شعبٍ يربط الفرج بإرادة الله وحده، ويُبقي قلبه معلقاً بأن كسر الطوق ليس قراراً يُمنح من قوة خارجية، بل نتيجة صبرٍ وثباتٍ وتوكّلٍ يُبنى من داخل المجتمع نفسه، في الأسواق، في الأرياف، في المدن، وفي البيوت التي لا تزال تقيم صلواتها رغم ضيق العيش.
في ظل هذا التداخل بين عدوان ناري مكثف وحصار اقتصادي وإنساني طويل الأمد، تتشكّل ملامح واقع جديد لليمن: بنى تحتية مدمرة أو منهكة، اقتصاد منكمش، مؤسسات حكومية تعمل تحت ضغط هائل، ومجتمع يواجه في آن واحد أعباء النزوح الداخلي، وفقدان مصادر الرزق، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانتشار الأمراض المرتبطة بسوء التغذية وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي. هذه الصورة المركبة لا تحتاج إلى خطاب سياسي لتفسيرها؛ يكفي أن ننظر إلى سلسلة الأرقام المتتابعة لنعرف أن ما وقع على اليمن يتجاوز مفهوم «المواجهة المسلحة» التقليدية إلى مستوى عدوان شامل على حق الناس في العيش بكرامة وأمان واستقرار. ويكفي أيضاً أن ننظر إلى طريقة تعاطي الناس مع هذا الواقع لنرى أنهم لا يتعاملون معه بوصفه قدراً يُفرض من البشر، بل امتحاناً يواجهونه بإيمان أن الخضوع يكون لله وحده، وأن الركوع لغيره خسران الدنيا والآخرة معاً.
الأبعاد القانونية والأخلاقية لهذا العدوان تُطل من خلال تقارير منظمات حقوقية دولية حللت بعض الضربات الجوية، وخلصت إلى أن نمط الاستهداف ومكانه وطبيعة الأسلحة المستخدمة يثير أسئلة جدية حول مدى الالتزام بالقانون الإنساني الدولي، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب في استخدام القوة. فالقصف الذي يدمّر أحياء سكنية بالكامل، أو يضرب أسواقاً مزدحمة، أو يصيب مدارس ومستشفيات، يترك وراءه سجلاً من الأحداث التي تحتاج إلى مراجعة معمّقة في ضوء المعايير التي يُفترض أن تحكم سلوك أي قوة مسلّحة في النزاعات. لكن هذه الأبعاد القانونية، على أهميتها، لا تختزل التجربة اليمنية؛ فهناك بعدٌ آخر لا تنقله الجداول والإحصاءات مباشرة، هو بعد الروح التي تقرر كيف تُقرأ هذه الوقائع: روح شعب يرى في ثباته ورفضه الخضوع للمعتدي امتداداً لعقيدته، لا لمجرد موقف سياسي عابر، ويعتبر أن منطق العدوان يُهزم أولاً في القلوب التي ترفض أن تُسلِّم لغير الله.
عندما تُربط هذه الخيوط كلها معاً – عدد الغارات الذي يقترب من ربع مليون، الحصار الذي امتد لأكثر من أحد عشر عاماً، مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمتضررين، النسبة العالية للأهداف المدنية، ملايين المحتاجين إلى المساعدات، وانهيار قطاعات حيوية في الدولة والمجتمع – تتبلور أمامنا لوحة كاملة لبلد لم يكن مجرد طرف في نزاع، بل موضوعاً لعدوان مركب الأبعاد. هذا العدوان، في جوهره، لم يضرب قدرة اليمن على القتال فحسب، بل ضرب قدرته على الحياة، وحوّل الحقوق البديهية – في الغذاء والدواء والأمن والتعليم والتنقل – إلى امتيازات نادرة لا يحصل عليها الجميع، ومع ذلك لم ينجح في تحويل الشعب اليمني إلى كتلة من اليأس المستسلم؛ بل إلى جماعة بشرية تعتبر أن الصمود عبادة، وأن رفض الركوع للمعتدي جزء من شهادة أن لا إله إلا الله، وأن الكرامة الممهورة بالدم خير من حياة يُنتزع فيها معنى الحرية والخضوع لله وحده.
من هنا، لا يحتاج القارئ إلى مصطلح جاهز أو شعار مسبق ليصف حال اليمن؛ فالأرقام نفسها تتكفل بقيادته إلى النتيجة المنطقية الواضحة: أن هذا البلد شعباً وأرضاً كان، ولا يزال، مظلوماً معتدى عليه، وأن شعبه – على قسوة ما يلاقي – شعبٌ رافضٌ أن يخضع إلا لله. مظلومٌ لأن حجم الأذى الذي تعرض له يفوق ما يمكن أن يتحمله أي مجتمع دون أن تتصدع بنيته العميقة، ومعتدى عليه لأن الفعل الذي وقع عليه لم يكن ردّاً محدوداً على حادثة أو نزاع موضعي، بل حملة ممتدة استخدمت فيها كل أدوات الضغط والقوة؛ ورافضٌ الخضوع إلا لله لأن مسار السنوات الطويلة لم يُظهر انكساراً في الإرادة أو استعداداً لركوعٍ مجاني أمام من يملك السلاح، بل أظهر شعباً يعتبر أن أكبر خسارة يمكن أن تلحق به ليست فقدان بيت أو طريق أو مرفق، بل فقدان موقفه من منطق الظلم، وفقدان صلته الروحية بمصدر قوته الحقيقي.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



















