مآلات ميديا – تحقيقات محلية :
في إجازة عيد الأضحى، تحولت شوارع صنعاء ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة جماعة أنصارالله إلى مسرح لأعطال مفاجئة أصابت مئات السيارات بعد تعبئتها بالبنزين من محطات رسمية وخاصة، في عودة لافتة لأزمة الوقود المغشوش التي أثارت غضباً واسعاً بين السائقين وفنيي الصيانة والمتضررين. الشكاوى المتواترة لم تتحدث عن حالات فردية معزولة، بل عن نمط متكرر: تغير في صوت المحرك، ضعف في السحب، ارتفاع في الاستهلاك، ثم توقف المركبة بعد وقت قصير من التعبئة، وهو ما عززه فنيو الورش بقولهم إنهم عاينوا حالات متعددة اتضح فيها وجود شوائب كثيفة تسببت بانسداد فلاتر الوقود والبخاخات وتعطل مضخات البنزين، وفي بعض الحالات وصول الضرر إلى أجزاء رئيسية من المحرك.
هذه الوقائع الميدانية لا تنفصل عن قصة شحنة أكبر بدأت ملامحها بالظهور منذ أواخر عام 2024، حين رست الناقلة النفطية المسماة “LOVE” في غاطس ميناء رأس عيسى، وعلى متنها نحو 60 ألف طن من البنزين، بحسب ما أوردته تقارير صحفية عدة استندت إلى بيانات ملاحية ومصادر يمنية مطلعة. وبحسب هذه التقارير، كانت تلك من آخر شحنات البنزين الكبيرة التي دخلت الميناء قبل أن تدخل قيود أميركية على بيع النفط إلى الموانئ الخاضعة للجماعة حيز التنفيذ، ثم جرى ضخ الكميات إلى السوق عبر شبكة التوزيع التابعة لشركة النفط في صنعاء ومحطات أخرى. وهنا تتقدم مسألة المسؤولية من الهامش إلى المتن، لأن الجهة التي تستقبل الشحنة وتفحصها وتسمح بتفريغها وتوزيعها هي، عملياً، الجهة التي يفترض أن تضمن مطابقتها للمواصفات قبل أن تصل إلى خزانات المواطنين.
الخبير النفطي والأكاديمي البيئي عبدالغني جغمان حمّل شركة النفط التابعة للجماعة المسؤولية المباشرة عن أزمة الوقود المغشوش، موضحاً أن الغش قد يأخذ صوراً متعددة، منها انخفاض رقم الأوكتان، أو وجود ماء وشوائب، أو خلط البنزين بمواد أخرى غير مطابقة، وهي كلها صور تؤدي إلى تعطل المركبات وإتلاف أنظمة الوقود والاحتراق فيها. هذا التوصيف الفني ينسجم مع ما وثقته ورش الصيانة وتقارير ميدانية تحدثت عن انسداد فلاتر الوقود والبخاخات وتعطل المضخات وظهور أصوات احتراق غير طبيعية، وهي مؤشرات ترتبط مباشرة برداءة الوقود أو تلوثه. لذلك، لم يعد السؤال الأساس عند كثير من المتضررين هو ما إذا كان الوقود مغشوشاً، بل من سمح بدخوله، ومن قرر ضخه، ومن تجاهل نتائجه بعد ظهور أولى علامات الخلل.
في هذا السياق، تبرز فرضية الثغرة الرقابية في الميناء كأحد مفاتيح القصة. الحرب أضعفت البنية الفنية للفحص في منشآت النفط، وبعض الجهات الرسمية بررت إجراءات التفريغ المباشر أو قصور الرقابة بتضرر معامل الفحص في الميناء. غير أن هذا التبرير نفسه أصبح هدفاً لانتقادات قانونية وفنية حادة؛ إذ اعتبر الناشط القانوني الكبسي أن التذرع بقصف معمل الفحص “مجرد تهرب من المسؤولية”، لأن غياب المعمل لا يعني غياب المعايير، وكان بالإمكان الاستعاضة عن ذلك بشهادات منشأ من بلد التصدير أو بأجهزة فحص متنقلة أو بوسائل تحقق بديلة قبل السماح بضخ الشحنة في السوق. هذا الاعتراض يضرب جوهر السردية الرسمية، لأن المشكلة عندئذ لا تعود مشكلة “عجز فني قهري” بل تتحول إلى قرار إداري وتجاري سمح بمرور الخطر إلى الناس.
وعندما تفجرت الأزمة على نطاق واسع، جاء رد شركة النفط في صنعاء متأخراً ومحدوداً؛ إذ أعلنت أنها باشرت إجراءات التحقق من شكاوى المواطنين، وشكلت لجاناً فنية، وأوقفت تفريغ بعض “الكميات المشكوك فيها” لحين استكمال الفحص. لكن هذا الرد، في نظر كثير من المتابعين، لم يلامس جوهر القضية، لأنه لم يسمِّ الشحنة المعنية بوضوح، ولم يعلن نتائج فحص شفافة للرأي العام، ولم يحدد المسؤولين عن إدخال الوقود أو يسمح بمساءلة علنية للمقصرين، كما لم يطرح آلية معلنة وشاملة لتعويض المتضررين. وهذا ما يفسر لماذا تحولت الأزمة من مجرد شكوى فنية إلى قضية ثقة عامة بين المواطنين والجهة التي تحتكر عملياً ملف المشتقات في مناطق سيطرتها.
غير أن هذا الملف لا يقرأ فقط بوصفه فضيحة غش تجاري، بل أيضاً بوصفه نافذة على البنية الأعمق لاقتصاد الحرب في اليمن. فالمشتقات النفطية في مناطق النزاع لم تعد مجرد سلعة استهلاكية، بل تحولت إلى مورد مالي وسياسي بالغ الحساسية، ومن يسيطر على استيرادها وفحصها وتوزيعها يملك في الوقت نفسه مصدراً للنفوذ والربح والضغط الاجتماعي. في مثل هذه البيئات، يصبح التساهل في الجودة أو تمرير شحنات منخفضة الكلفة وعالية الخطورة إغراءً قائماً، لأن العائد المالي يذهب إلى شبكات ضيقة، بينما تتوزع كلفة الضرر على آلاف الأسر والمهنيين والعمال وملاك السيارات الصغيرة والمولدات. ومن هنا يكتسب الحديث عن “لوبيات” داخل شركة النفط أو حولها معنى سياسياً واقتصادياً، لا مجرد معنى إداري عابر.
في هذا الموضع تحديداً، يمكن فهم المقارنة التي طرحها القاضي عمر عبدالغني الهمداني بين قضية “أجهزة البياجر” في لبنان وقضية البنزين المغشوش في اليمن. فالمقارنة لا تقوم على تماثل الأداة، لأن البياجر في الحالة اللبنانية هي أجهزة اتصالات لا سفن ولا ناقلات، بينما تتعلق الحالة اليمنية بشحنة وقود دخلت عبر البحر، لكن الهمداني يرى أن الخيط الناظم بينهما هو استغلال حاجة حقيقية لدى بيئات مناهضة لعدو واحد، ثم تحويل هذه الحاجة إلى مدخل لإلحاق الأذى بالناس. في لبنان، كانت الحاجة ذات طابع أمني واتصالي، بينما في اليمن ترتبط الحاجة بالطاقة والتنقل والمعيشة اليومية، لكن النتيجة في الحالتين، بحسب هذا المنظور، هي اختراق مؤذٍ أصاب القاعدة الاجتماعية الأوسع لا النخب وحدها.
تكمن المفارقة، في قراءة الهمداني، في اختلاف الدافع ورد الفعل: ففي الحالة اللبنانية كان الدافع أمنياً، أما في اليمن فالدافع، كما يفهم من النقد الموجه للمتورطين، أقرب إلى الجشع المالي والبحث عن أرباح سريعة من شحنات مشبوهة أو منخفضة الجودة. والأخطر من ذلك، في هذا التصور، ليس وقوع الخديعة بذاته، بل إنكارها بعد ظهور آثارها، والاستمرار في ادعاء الحصانة من الاختراق بدل الاعتراف بالثغرة ومعالجتها. هذه الفكرة تلتقي مع توصيف الكبسي لما يحدث بأنه “عدوان داخلي أقذر من العدوان الخارجي”، لأنه يستنزف أموال الناس وحقوقهم وسلامة ممتلكاتهم من داخل البيئة التي يفترض بها حمايتهم.
ومن زاوية عملية، لا يقف الأمر عند حدود التوصيف الأخلاقي أو السياسي. فبيع الوقود المغشوش، وفق قراءة قانونية متداولة، يمكن أن يرقى إلى جريمة تستوجب الحبس والغرامة والتعويض، وليس مجرد مخالفة سوقية بسيطة. لذلك دعا الكبسي المتضررين إلى عدم الصمت، وإلى استخراج تقارير فنية من ورش الصيانة تثبت سبب العطل، والاحتفاظ بفواتير الإصلاح، ورفع دعاوى ضد الجهة التي أدخلت الشحنة أو سمحت بتداولها، على قاعدة أن الحق الذي لا يُحمى بالقانون يتكرر انتهاكه مرة بعد أخرى. وهذه الدعوة تكشف أن المعركة لم تعد فقط معركة وقود رديء، بل معركة مساءلة في بيئة يغيب فيها كثير من أدوات الرقابة المستقلة.
اقتصادياً، لا تتوقف أضرار البنزين المغشوش عند المركبات الخاصة. التقارير تشير إلى خسائر طالت الآلات والمشاغل وبعض الاستخدامات الإنتاجية المرتبطة بالوقود، ما يعني أن الضرر يمتد من النقل الشخصي إلى النشاط الاقتصادي اليومي، ويضاعف فاتورة الصيانة والاستبدال في سوق يعاني أصلاً من الغلاء وصعوبة الاستيراد. وكلما اتسع نطاق هذا الضرر، تراجعت قدرة الأسر الصغيرة والمهنيين وسائقي الأجرة وأصحاب الورش على الصمود، لأن العطب هنا لا يضرب “مركبة” فحسب، بل يضرب وسيلة رزق ودورة عمل كاملة.
هكذا، تنكشف أزمة البنزين المغشوش في صنعاء ومناطق أخرى بوصفها أكثر من حادثة تموين سيئة أو خطأ فني في شحنة واحدة. إنها قصة عن خلل في سلسلة القرار من الميناء إلى المضخة، وعن إدارة موارد أساسية بمنطق الربح المغلق لا السلامة العامة، وعن سلطة رسمية تتأخر في الاعتراف أكثر مما تتقدم في الوقاية، وعن مواطن لا يملك في النهاية سوى أن يدفع ثمن الغش من جيبه ومحركه معاً. وإذا كان أخطر ما في الحروب أنها تعطل الدول، فإن أخطر ما في هذه القضية أنها تُظهر كيف يمكن للحرب، حين تقترن بضعف المحاسبة وتغوّل المصالح، أن تحوّل أبسط احتياجات الناس اليومية إلى فخ مفتوح.
اكتشاف المزيد من مآلات ميديا
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



















