مآلات ميديا – متابعات:
منذ اللحظة الأولى التي روّج فيها بنيامين نتنياهو لحربه المفتوحة على إيران باعتبارها “انقلابًا استراتيجيًا” يبدّل وجه الشرق الأوسط، حاولت ماكينة الدعاية في تل أبيب بناء سردية انتصار كامل: إسقاط التهديد النووي الإيراني، سحق القدرات الصاروخية، وتغيير قواعد اللعبة على مستوى ما يسميه الكيان الصهيوني “محور الشر”. غير أن هذا الخطاب المنتشي بالإنجازات، الذي تكرر في بيانات رسمية وخطابات متلفزة، سرعان ما وجد نفسه في مواجهة تقييمات مضادة من داخل الكيان نفسه، من معارضين وخبراء ومراكز تقدير موقف، رأت في هذه اللغة أقرب إلى ذر الرماد في العيون منها إلى وصف حقيقي لنتائج المعركة.

فوفق تقديرات نُشرت في صحف ومراكز بحث داخل الكيان الصهيوني، لم تنجح استراتيجية نتنياهو طويلة السنوات في تحقيق هدفها الرئيسي: دفع واشنطن والعواصم الغربية إلى خيار المواجهة القصوى مع طهران ومنع أي تقارب أو تفاهمات معها، بل على العكس، اعتُبر ما ظهر من مؤشرات على مسارات تفاهم أو تهدئة بين الولايات المتحدة وإيران دليلًا صارخًا على فشل تلك الاستراتيجية في عزل إيران وتحويلها إلى عبء غير محتمل على النظام الدولي. هنا يتبدى التناقض البنيوي: بينما يصر نتنياهو على تسويق نتائج الحرب كـ”انتصار تاريخي” أجهض البرنامج النووي الإيراني ودمّر القدرات الصاروخية، تشير قراءات متعددة إلى أن طهران ما تزال قادرة على المناورة، وأن بنيتها السياسية والأمنية لم تتعرض للانهيار الذي راهن عليه صناع القرار في تل أبيب.

وفي المقابل، تكشف مواقف المعارضة في الكيان الصهيوني عن وجه آخر للأزمة؛ فزعماء المعارضة لم يكتفوا بالتشكيك في جدوى الحرب بل ذهبوا إلى وصف اتفاق وقف إطلاق النار أو التفاهمات مع إيران بأنها “كارثة” تؤكد أن نتنياهو فشل في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، وفي مقدمتها تحييد تهديد إيران ووكلائها على المدى البعيد. هذه الانتقادات لا تتوقف عند حدود الأداء العسكري، بل تمتد إلى ما هو أخطر: اتهام نتنياهو بتغليب حساباته السياسية والشخصية، ومحاولة استخدام الحرب أداة للهروب من أزماته الداخلية، بدءًا من الاحتجاجات الواسعة على سياساته ومرورًا بملفات الفساد، وصولًا إلى اهتزاز الثقة بقيادته الأمنية والعسكرية. هكذا تتحول “إنجازات المعركة” في الخطاب المعارض إلى واجهة ملونة تخفي تحتها تكلفة بشرية ومادية، وارتدادات استراتيجية لم تُحسب بعناية كافية.

على مستوى الميدان، أعلن نتنياهو مرارًا أن الكيان الصهيوني والولايات المتحدة “يسحقان بقوة وبشكل منهجي” النظام الإيراني، وأن الحرب “أبعدت تهديدين وجوديين” هما البرنامج النووي والصواريخ الباليستية، وأن النظام في طهران بات أضعف من أي وقت مضى وقد “يسقط عاجلًا أم آجلًا”، وفق تعبيره. هذه العبارات، بما تحمله من مبالغة وقطع في الأحكام، تتناقض مع حقيقة أن الحرب لم تنتهِ بعد باعتراف نتنياهو نفسه، وأن قدرة إيران على الرد عبر أذرعها الإقليمية في لبنان واليمن وغزة وسوريا لم تُشل بالكامل، بل واصلت هذه الأطراف عملياتها وإن بوتيرة متأرجحة، الأمر الذي يبقي معادلة الردع متحركة لا محسومة. وهنا تبرز المفارقة: قائد يعلن “الانتصار التاريخي” بينما يقر في الوقت ذاته بأن الحملة ضد إيران ما تزال في “مرحلة جديدة” تبنى على ما سبقها، بما يعني أن النتائج بعيدة عن أن تكون حاسمة أو نهائية.

وفي سياق تسويق ما يسميه “إنجازات كبرى”، استعرض نتنياهو جملة من الأهداف التي يقول إن جيش الكيان الصهيوني أصابها: من ضربات في عمق إيران استهدفت البرنامج النووي ومنظومات الصواريخ والبنى التحتية والقيادات، إلى عمليات متزامنة ضد حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، ونظام الأسد في سوريا، ومجموعات مسلحة في الضفة الغربية، والحوثيين في اليمن، مع التأكيد على أنه جرى تثبيت “أحزمة أمنية” خارج حدود الكيان في هذه الجبهات. غير أن القراءة الاستراتيجية لهذه القائمة تكشف أن كثافة الأهداف لا تعادل بالضرورة عمق الإنجاز؛ فالضربات المتعددة على جبهات واسعة قد تخلق أثرًا تكتيكيًا آنيا، لكنها قد تعمّق في الوقت نفسه بيئة الاستنزاف وتوسع مساحة المخاطر، خاصة إذا استطاعت الأطراف المستهدفة استعادة قدراتها أو التكيف مع نمط الضربات. وفي هذه الحال، تصبح “الأحزمة الأمنية” المفترضة أقرب إلى أحزمة اشتعال قابلة للانفجار كلما تبدلت حسابات اللاعبين الإقليميين والدوليين.

هذا التباين بين خطاب الإنجاز الرسمي وتقديرات الفشل في الداخل الصهيوني انعكس بوضوح في المزاج العام، حيث إن حرب إيران، رغم ما قُدم على أنها نجاحات عسكرية، لم تُترجم إلى مكاسب سياسية حاسمة لنتنياهو، بل ذهبت معظم نقاط التقدير إلى قيادة الجيش وسلاح الجو والمؤسسة الأمنية أكثر من ذهابها إلى رئيس الوزراء. في المقابل، تتزايد الأسئلة داخل المجتمع الصهيوني حول حجم الخسائر غير المعلنة، وطبيعة الثمن الذي سيدفعه الكيان في أي ترتيبات تسوية قادمة، سواء على جبهة لبنان في مواجهة حزب الله أو في الملفات الأخرى المتشابكة مع إيران. هذه الأسئلة تعمق حالة القلق من أن تكون الحرب قد أنتجت وضعًا رماديًا جديدًا: لا هو انتصار حاسم يسمح بفرض شروط كاملة على الخصم، ولا هو هزيمة واضحة تدفع إلى مراجعة استراتيجية شاملة، بل حالة بينية مثقلة بالمخاطر والتكاليف.

استراتيجيًا، يمكن القول إن جوهر الأزمة يكمن في الفارق بين الهدف المعلن والنتيجة الفعلية؛ فنتنياهو روّج لنهج يقوم على إحداث “كسر في العمود الفقري” للنظام الإيراني بما يفضي إلى تغيير عميق في سلوك طهران وقدرتها على التأثير الإقليمي، غير أن المؤشرات الحالية، من استمرار بنية النظام في الصمود ومن حفاظ إيران على شبكة تحالفاتها ووسائل ضغطها، تكشف أن بنية الردع لم تُحسم لصالح الكيان الصهيوني بالصورة التي يتحدث عنها الخطاب السياسي في تل أبيب. بل إن بعض التحليلات تشير إلى أن الحرب، بكل ما رافقها من تصعيد، قد تدفع إيران إلى تعميق علاقاتها مع قوى دولية منافسة للغرب، وتعجيل برامج بديلة في مجالات التسلح والأمن السيبراني والتحالفات الاقتصادية، وهو ما يعني تحولات بعيدة المدى في شكل التوازنات، لا تصب بالضرورة في صالح الكيان على المدى الطويل. ضمن هذه الرؤية، يصبح ادعاء “الانقلاب الاستراتيجي” أقرب إلى محاولة لتثبيت صورة انتصار في الوعي الداخلي والدولي، بينما موازين القوة على الأرض أكثر تعقيدًا وأقل حسمًا.

على ضوء ذلك، يبدو واضحًا أن الحديث المتكرر من جانب نتنياهو عن “إنجازات المعركة” يقوم بدور سياسي وإعلامي مزدوج: داخليًا لاحتواء الغضب الشعبي وامتصاص النقد المتصاعد من المعارضة والمؤسسة الأمنية، وخارجيًا للحفاظ على صورة الكيان الصهيوني كقوة قادرة على فرض إرادتها وتطمين الحلفاء القلقين من كلفة التصعيد المفتوح. غير أن هذا الخطاب، في ضوء التقديرات الصادرة من داخل الكيان ذاته، ينكشف شيئًا فشيئًا أمام الرأي العام الذي بدأ يلمس فجوة بين ما يقال في المنصات الرسمية وما يُترجم فعليًا على الأرض في شكل تسويات، وضغوط، وقيود محتملة على حرية الحركة العسكرية، خاصة في الجبهة الشمالية مع لبنان. وهكذا، لا يعود وصف “ذر الرماد في العيون” مجرد توصيف إعلامي حاد بقدر ما يصبح توصيفًا لآلية دفاعية تحاول من خلالها القيادة السياسية تغطية تعثر استراتيجيتها تجاه إيران، وتقليل كلفة الاعتراف بفشل بنيوي طال سنوات من الرهان على القوة وحدها كأداة لحسم الصراع.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.