م. فؤاد أبوراس – مآلات ميديا :
في ميزان الشريعة، تقف قضية «طفل عدن» عند واحدة من أثقل الجرائم مساساً بالنفس والعِرض وحرمة الضعيف. فالطفل في التصور الإسلامي أمانة في عنق أسرته ومجتمعه وسلطته، والاعتداء عليه بهذه الصورة يضرب معنى الأمان في الناس، ويفتح جرحاً يتجاوز حدود الضحية إلى ضمير المجتمع كله. ومن هنا، فإن حماية الطفل ليست شعاراً حقوقياً مستورداً، وإنما واجب شرعي أصيل، يتصل بحفظ النفس والعِرض وصيانة الضعفاء من بطش من يملكون القوة أو النفوذ أو القدرة على الإخافة.

وحين تتصل الجريمة باستغلال الضعف، أو التهديد، أو الابتزاز، أو احتمالات التغطية والنفوذ، فإن المسألة تأخذ مستوى أشد خطورة. فالشريعة لا تنظر إلى العدالة باعتبارها إجراءً شكلياً يكتمل بإعلان القبض على متهم، وإنما تراها أمانة كاملة تبدأ بكشف الحقيقة، ومحاسبة الفاعل، وتتبع من ساند أو تستر أو عطل. التهاون في مثل هذه القضايا يبعث برسالة مدمرة للناس: أن الضعيف يحتاج إلى ظهر كي يصل صوته، وأن الحماية قد تصبح امتيازاً لمن يملك القوة، مع أن العدل في أصله وُجد لحماية من لا يملكونها.

ومن داخل العرف القبلي اليمني، تبدو القضية بالقدر نفسه من الفداحة. فالاعتداء على طفل، خصوصاً في جانب العرض، يقع في أعمق مناطق العار الاجتماعي، وفي خانة ما تسميه القبائل «العيب الأسود»، ذلك النوع من الأفعال الذي لا تمنحه الأعراف مساحة للتبرير أو التخفيف أو الالتفاف. فالقبيلة، في معناها الأصيل، تقوم على نصرة الضعيف، وحماية المستجير، وردع من يمد يده إلى حرمات الناس. وعندما يكون الضحية طفلاً، فإن واجب النصرة يصبح أثقل، لأن ميزان القوة مختل منذ اللحظة الأولى.

غير أن الواقع اليمني، في ظل الحرب وضعف الدولة وتضخم نفوذ السلاح، كشف وجهاً مؤلماً من استخدامات العرف. فقد تتحول أدوات التحكيم والوساطة، في بعض القضايا، من طريق للإنصاف إلى وسيلة ضغط على أسرة الضحية، خاصة عندما يكون الجاني محمياً بسلطة أو جماعة أو نفوذ أمني. عندها يفقد العرف روحه، ويتحول من سند للمظلوم إلى غطاء لتبريد الغضب، ومن حارس للقيم إلى ممر جانبي لإضعاف العدالة الرسمية. وهذه هي المفارقة الأكثر قسوة: أن تُستدعى لغة الشرف أحياناً لإسكات من انتُهكت كرامته.

من هذه الزاوية، تصبح قضية «طفل عدن» امتحاناً مكشوفاً لصدق المرجعيات التي يكثر الحديث عنها في المجتمع. الشريعة تضع حماية الضعفاء في صميم العدل، والقبيلة ترفع شعار نصرة المظلوم وحفظ العرض، والقانون يفترض أن يمضي فوق حسابات القوة. لكن قيمة هذه المرجعيات لا تظهر في الخطب ولا في بيانات الغضب، وإنما في اللحظة التي يكون فيها الضحية طفلاً خائفاً، ويكون الجاني أو من حوله قريباً من سلطة أو سلاح أو شبكة تأثير.

حقوقياً، تحمل القضية مؤشرات جريمة عنف جنسي جسيمة ضد طفل قاصر، وقد تتسع خطورتها إذا ارتبطت بتهديد أو ابتزاز أو تصوير أو تداول لمواد تمس خصوصية الضحية. لذلك فإن أول ما ينبغي تثبيته هو حماية الطفل وأسرته، ووقف أي تداول للمادة المرتبطة بالقضية، لأن نشرها يعيد إنتاج الأذى ويدفع الضحية إلى مواجهة ألم جديد فوق الألم الأصلي. الطفل هنا يحتاج إلى ستر قانوني وأخلاقي، وإلى دعم نفسي واجتماعي، وإلى بيئة آمنة تمكن أسرته من متابعة العدالة من دون خوف أو ضغط أو تشهير.

وتتضاعف مسؤولية السلطات في عدن لأن القضية تلامس أسئلة شديدة الحساسية عن أداء الأجهزة الأمنية والقضائية، وعن احتمالات وجود نفوذ أو تغطية أو تقصير سابق. وفي مثل هذا السياق، يصبح التحقيق المستقل ضرورة حقيقية، لا مطلباً تجميلياً. فالمجتمع يريد أن يعرف كيف وصلت القضية إلى هذا الحد، ومن تورط بالفعل، ومن وفر الحماية، ومن غض الطرف، ومن حاول احتواء الملف بعيداً عن مسار القانون. هذه الأسئلة هي قلب العدالة، وليست تفاصيل هامشية.

والخطر الأكبر أن تتعامل السلطة مع الغضب العام كأزمة مؤقتة تحتاج إلى تهدئة إعلامية، بينما جوهر القضية أعمق من ذلك بكثير. فكل تأخير غير مبرر، وكل غموض في الإجراءات، وكل محاولة لترك الملف في الظل، ستزيد شعور الناس بأن العدالة تتحرك ببطء عندما يقترب الملف من أصحاب النفوذ. وهذا الشعور، إن ترسخ، يضرب ثقة المجتمع في الدولة، ويدفع الضحايا الآخرين إلى الصمت، ويجعل الأسر أكثر خوفاً من الشكوى حين يكون الخصم قوياً.

العدالة في قضية «طفل عدن» تعني كشف السلسلة كاملة. كيف وقعت الجريمة؟ من علم بها؟ من تدخل بعد ذلك؟ هل وُجدت بلاغات أو مؤشرات سابقة؟ كيف تعاملت معها الجهات المختصة؟ هل تعرضت أسرة الضحية لضغط أو مساومة؟ وهل هناك أطراف حاولت تحويل الملف إلى تسوية قبل أن يأخذ القانون مجراه؟ الإجابة عن هذه الأسئلة جزء من المحاسبة، لأن المجتمعات لا تحمي أطفالها بالعقوبة وحدها، وإنما ببناء منظومة تمنع تكرار الجريمة وتغلق منافذ الإفلات.

في النهاية، تقف عدن أمام لحظة فارقة. تستطيع هذه القضية أن تكون بداية تصحيح حقيقي إذا مضت السلطات في تحقيق شفاف، ومحاكمة عادلة، وحماية كاملة للضحية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه أو تستره أو تقصيره. وتستطيع، في المقابل، أن تتحول إلى جرح جديد في ذاكرة الناس إذا غلبت الوساطات والضغوط وحسابات النفوذ. الفارق بين المسارين سيحدد معنى الدولة في نظر الناس: دولة تحمي الطفل حين يكون ضعيفاً، أو سلطة تتحدث عن العدالة حين يكون الحديث آمناً ثم تتراجع عندما يقترب الامتحان من مراكز القوة.

قضية «طفل عدن» كشفت سؤالاً أكبر من حدود الجريمة نفسها: ماذا تبقى من الشريعة حين لا تقف مع الضعيف؟ وماذا تبقى من القبيلة حين لا تنتصر للمظلوم؟ وماذا تبقى من الدولة حين لا يستطيع الطفل أن يجد فيها حصناً من الخوف؟ هنا يتحدد المعنى الحقيقي للعدل، لا في صخب الإدانة، وإنما في القدرة على إسقاط الحصانات، وكشف الشبكات، وحماية الضحية، وإفهام كل صاحب نفوذ أن الطفل الضعيف قد يكون أقوى من سلطته حين يقف معه القانون والمجتمع والضمير.


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.