مآلات ميديا – مآلات محلية :
منعت قوات عسكرية وأمنية في مديرية خور مكسر بمدينة عدن وقفةً احتجاجية نسائية في ساحة العروض، كانت مقررة للمطالبة بالعدالة لطفل تعرض لجريمة اغتصاب أثارت موجة غضب واسعة في الشارع اليمني.

تعود جذور الحدث إلى انتشار مقطع فيديو صادم يوثّق واقعة اغتصاب طفل في العاصمة المؤقتة عدن، ما حوّل القضية خلال ساعات إلى ملف رأي عام يمني بامتياز، وسط حالة صدمة وغضب عارمين في الأوساط الشعبية والحقوقية. تعددت الروايات حول هوية الجاني والجهة التي ينتمي إليها، مع اتهامات موجَّهة إلى ضابط في اللواء الثاني حماية رئاسية تابع للمجلس الانتقالي السابق، وحديث عن ضغوط مورست على أسرة الطفل للتنازل عن القضية، الأمر الذي عمّق شعوراً عاماً بوجود نفوذ يحاول حماية المتورطين وإبقاء الملف في الظل.

في موازاة الاحتقان الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي، تحركت ناشطات وفاعلات في المجتمع المدني للدعوة إلى وقفة احتجاجية نسائية في ساحة العروض بخور مكسر، الساحة التي راكمت رمزيتها من وقفات نسوية سابقة، بينها احتجاجات على تدهور الخدمات تحت شعار «ثورة النسوان» المطالبة بالكهرباء والماء ومحاسبة الفساد. هذه الدعوة لم تكن مجرد تعبير عاطفي عن الغضب، بل حملت سقفاً واضحاً للمطالب: محاسبة الجناة بلا استثناء، ووقف أي تدخلات لطمس القضية، وفتح نقاش جدي حول إصلاح المنظومة القانونية وتشديد العقوبات على مرتكبي الجرائم الجنسية ضد الأطفال، باعتبار أن الواقعة ليست حادثة فردية معزولة بل مؤشر خلل بنيوي في منظومتي الأمن والعدالة.

في يوم الوقفة، نفذت القوات التابعة للمجلس الانتقالي انتشاراً أمنياً مكثفاً في محيط ساحة العروض، ونصبت الأطقم العسكرية حول الساحة وشوارعها المؤدية، فارضة طوقاً حال دون وصول عشرات النساء اللواتي لبّين الدعوة للاحتشاد. لم يقتصر المشهد على المنع الميداني، بل تخللته – وفق شهادات محلية – إجراءات تضييق شملت منع التصوير واعتقال أحد المصورين الصحفيين أثناء محاولته توثيق الحدث، في رسالة غير مباشرة مفادها أن الساحة ممنوعة على هذا النوع من الاحتجاجات، وأن إدارة الملف ستظل أمنية مغلقة لا تُفتح للتغطية الإعلامية.

هذا السلوك الأمني يطرح أسئلة استراتيجية تتجاوز الحدث نفسه؛ إذ يعكس خشية واضحة من أن تتحول الوقفة النسائية إلى منصة أوسع للمساءلة السياسية والأمنية، تربط بين جريمة الاغتصاب وبين نمط إدارة الأجهزة المسلحة في عدن، خاصة مع الاتهامات المتداولة عن صلة الجاني بتشكيلات أمنية نافذة. كما يحمل دلالة على أن الجهات المسيطرة على الأرض لا تريد للغضب الشعبي أن يتجسد في فعل احتجاجي منظم تقوده النساء، خشية أن يتكرر سيناريو الحشود النسوية السابقة التي رفعت شعارات عالية السقف ضد الفساد وتردي الخدمات، وما مثّلته من إحراج للسلطات أمام الرأي العام المحلي والخارجي.

في المقابل، لم ينجح منع الوقفة في وأد القضية، بل نقلها إلى مستوى أعلى من التسييس والرمزية؛ فإغلاق ساحة العروض أمام النساء أعطى انطباعاً بأن السلطة أكثر استعداداً لمواجهة الأمهات الغاضبات من استعدادها لمواجهة المتهمين باغتصاب طفل، وهو انطباع غذّى شعوراً عاماً بأن ميزان القوة مختل بين المواطن الأعزل والجهاز الأمني المسلّح. هذا الاختلال يعمّق أزمة الثقة بين المجتمع والأجهزة الأمنية، ويدفع الكثيرين إلى إعادة قراءة كل خطاب رسمي عن «حماية المواطنين» و«سيادة القانون» بوصفه خطاباً بحاجة إلى اختبار عملي في قضايا من هذا النوع، لا إلى الاكتفاء بالشعارات.

في مسار موازٍ، حاولت النيابة العامة امتصاص جزء من الغضب بإصدار أمر بالقبض القهري على ضابط في اللواء الثاني حماية رئاسية على خلفية اتهامه في القضية، مع تعميم بمنعه من مغادرة البلاد وضبطه أينما وجد، في خطوة وُصفت بأنها استجابة جزئية للضغوط الشعبية والحقوقية المتصاعدة. غير أن هذه الخطوة، وإن عُدّت مؤشراً إيجابياً على تحرك قضائي، لم تُنه الجدل حول مدى استقلالية التحقيق وشفافيته، ولا حول احتمال تدخل أطراف نافذة لتخفيف التهم أو إعادة تدوير القضية بعيداً عن الضوء الإعلامي.

التحليل الأعمق لهذا الحدث يكشف تداخل ثلاثة مسارات: مسار حقوقي يتعلق بحماية الأطفال وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الجنسية من العقاب؛ ومسار أمني يتصل ببنية الأجهزة في عدن، ومستوى الانضباط الداخلي، وآليات الرقابة والمساءلة على عناصرها؛ ومسار اجتماعي سياسي يتمثل في صعود الصوت النسوي كلاعب فاعل في الفضاء العام، خصوصاً في قضايا الأخلاق العامة والعدالة. فخروج النساء في وقفة مخصصة لقضية اغتصاب طفل، ومحاولة منعهن من الوصول إلى الساحة، يعكسان صراعاً على تعريف «من يملك الشارع» ومن يحدد حدود ما يمكن الاحتجاج عليه، وكيف، وبأي لغة.

مآلات هذا الصراع لن تقف عند حدود هذه الوقفة؛ فمن جهة، سيستمر الضغط الشعبي والإعلامي للمطالبة بكشف حقيقة الجهة التي ينتمي إليها الجاني، وضمان عدم تمييعه أو استخدام نفوذه للهرب من العدالة، مع دعوات متزايدة لتشكيل لجان تحقيق مستقلة من خارج الدوائر التي تدير المشهد الأمني في عدن. ومن جهة أخرى، سيؤدي كل تعامل أمني متشنج مع الاحتجاجات النسوية إلى توسيع قاعدة التعاطف مع هذه الحركات، وتحويلها تدريجياً إلى مرجع رمزي لأي حراك مقبل يتناول قضايا العنف، سواء كان موجهاً ضد النساء أو الأطفال أو عموم المدنيين.

في المحصلة، تحوّلت واقعة منع الوقفة النسائية في ساحة العروض إلى اختبار حقيقي لعلاقة السلطة بالمجتمع في عدن، وإلى مرآة عكست كيف يُدار الغضب الشعبي حين يتقاطع مع ملفات تمس نفوذ التشكيلات العسكرية والأمنية. وما لم تتجه السلطات إلى معالجة جذرية وشفافة لهذه القضية، تقوم على تمكين القضاء من أداء دوره بعيداً عن الضغوط، وحماية المحتجين السلميين بدلاً من تطويقهم، فإن حادثة الطفل المغتصَب ستظل جرحاً مفتوحاً، ووقفة النساء الممنوعة ستبقى شاهداً على لحظة حاولت فيها الأمهات أن يرفعن صوتهن فوجدن الأطقم العسكرية في انتظارهن


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.