مآلات ميديا – مآلات محلية :
لم تعد الواقعة التي هزّت مدينة عدن مجرد حادثة جنائية ، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة تعرّي طبيعة البنية الأمنية والسياسية في واحدة من أهم المدن اليمنية، حيث تداخلت خيوط الجريمة مع النفوذ، وتقاطعت روايات التحقيق الرسمي مع اتهامات ثقيلة تتحدث عن حماية الجناة بدل محاسبتهم، في مشهد يعكس أزمة أعمق من مجرد انتهاك فردي، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى الدولة وحدود سلطتها في واقع متشظٍ.

ففي الوقت الذي أعلنت فيه إدارة أمن عدن تشكيل فريق مختص للتحقيق وإحالة الملف إلى النيابة العامة، محاولةً احتواء الغضب الشعبي والتأكيد على التزامها بالإجراءات القانونية، كانت روايات أخرى تتسرب إلى الفضاء العام، تتهم قيادات أمنية بالتدخل المباشر للإفراج عن المتهم الرئيسي، وهو ما يضع المؤسسة الأمنية أمام اختبار مصداقية حقيقي، لا يتعلق فقط بقدرتها على التحقيق، بل بمدى استقلالها عن شبكات النفوذ التي يُفترض أن تخضع لها لا أن تخضع لها.

هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والاتهامات المتداولة لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق اليمني الأوسع، حيث تعاني مؤسسات المجلس الرئاسي المدعوم سعوديا، ، من حالة تآكل تدريجي في احتكار القوة والقرار، لصالح تشكيلات متعددة الولاءات، ما يخلق بيئة مثالية لظهور ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الانتهاك”، حيث تتحول الجرائم، بما فيها الأكثر بشاعة، إلى أدوات ابتزاز ونفوذ محمية بشبكات معقدة من المصالح.

وتكتسب تحذيرات الناشطة الحقوقية هدى الصراري دلالة خاصة في هذا السياق، إذ لا تكتفي بوصف الجرائم باعتبارها حوادث معزولة، بل تضعها ضمن نمط متكرر يعكس “ثقافة تواطؤ” مؤسسية، وهي عبارة تحمل في طياتها توصيفاً دقيقاً لحالة تتجاوز الفساد الإداري إلى مستوى أعمق، حيث يصبح تعطيل العدالة جزءاً من آلية عمل غير معلنة، تسمح بإعادة إنتاج الانتهاكات وتوسيع دائرتها.

ومن زاوية تحليلية، فإن أخطر ما تكشفه هذه القضية ليس فقط وقوع الجريمة، بل الطريقة التي أُديرت بها، بدءاً من مزاعم التهريب والإفراج، وصولاً إلى بطء الاستجابة الرسمية، وانتهاءً بمحاولات توجيه الرأي العام نحو ضبط النشر بدلاً من معالجة جوهر المشكلة، وهو ما يعكس خللاً في ترتيب الأولويات بين حماية الضحايا وحماية صورة المؤسسة.

كما أن استدعاء قضايا سابقة، مثل “طفل المعلا” و”رأفت دمبع”، يشير إلى تراكم تاريخي من الملفات غير المحسومة، وهو ما يعزز فرضية أن العدالة في هذا السياق ليست غائبة بالكامل، بل انتقائية، تُفعّل حين تتوفر الإرادة السياسية وتُعطّل حين تتعارض مع مصالح نافذة، الأمر الذي يؤدي تدريجياً إلى تقويض الثقة المجتمعية، وتحويل الغضب الشعبي إلى عامل ضغط قد ينفجر في أي لحظة.

وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي والنفسي، حيث يؤدي انتشار مثل هذه الجرائم، مقروناً بالإفلات من العقاب، إلى خلق حالة خوف جماعي، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الأطفال، ما يهدد النسيج الاجتماعي ويعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة من علاقة حماية إلى علاقة ريبة وقلق.

أما الدعوات الشعبية لإطلاق حملات تحت شعارات مثل “القصاص مطلبنا”، فهي تعكس انتقال المجتمع من موقع المتلقي إلى الفاعل، لكنها في الوقت ذاته تحمل مؤشراً خطيراً على احتمال لجوء الناس إلى أشكال عدالة موازية في حال استمرار عجز المؤسسات، وهو مسار غالباً ما يؤدي إلى مزيد من الفوضى بدل تحقيق العدالة.

وبالنظر إلى مآلات هذه القضية، فإنها ستتجه نحو أحد مسارين لا ثالث لهما: إما أن تتحول إلى نقطة تحول حقيقية تُجبر المؤسسات الأمنية والقضائية على استعادة دورها عبر محاسبة شفافة تطال جميع المتورطين دون استثناء، وهو ما قد يفتح نافذة لإعادة بناء الثقة، أو أن تُضاف إلى أرشيف القضايا المنسية، بما يعمّق أزمة الشرعية ويؤسس لمرحلة أكثر خطورة من الانفلات، حيث تصبح الجرائم الكبرى جزءاً من المشهد اليومي.

في المحصلة، تكشف هذه الواقعة أن الصراع في اليمن لم يعد فقط صراعاً على الأرض أو السلطة، بل أصبح صراعاً على معنى العدالة ذاته، وعلى قدرة الدولة على حماية أضعف مواطنيها، وهو معيار بسيط في ظاهره، لكنه في الواقع يمثل الخط الفاصل بين وجود الدولة وغيابها.
:::


اكتشاف المزيد من مآلات ميديا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.